الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

من عجائب المندوب الاتحادي.. فجأة أصبح والد مصطفى الكثيري علما وطنيا ومقاوما بارزا

 
أحمد نشاطي
 

لا يكاد أحد يعرف أسباب هذا الصمت الرسمي، سواء من قبل أجهزة الحكومة المعنية، أو من قبل الأجهزة الرقابية، على تجاوزات، مصطفى الكثيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، تجاوزات تعدّت التعسف على المال العام، الذي يهدره في تنقلات عديمة الجدوى اللهم إلا تسمين تعويضاته، لتصل إلى التعسف على التاريخ الوطني...
 
فقد وصل الأمر بمصطفى الكثيري، الذي وضع يده على المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير، منذ 13 فبراير 2001، إلى تحويل والده النكرة عباس الكثيري إلى علَم وطني، ونسب له جلائل أعمال لا يعرف بها أحد، وبالخصوص أقطاب الوطنية في مدينة الجديدة، منذ الكاتب والوطني الفذ الراحل قاسم الزهيري، أحد أبرز مؤسسي الحركة الوطنية في منطقة الجديدة، وتتلمذ على يديه العديد من رموز حركة المقاومة وجيش التحرير، والذي جالسته أكثر من مرة في موضوع الحركة الوطنية، مثلما جالست الرمز الوطني الكبير الراحل الغالي العراقي الحسيني، الذي تحمّل مسؤولية الكاتب العام للقيادة المركزية لجيش التحرير في الشمال، وهو بطل واقعة السلاح المغربي الممنوح للجزائر، إذ كان هو من اقتنى الباخرة الشهيرة أطوس 2 من بريطانيا، واقتنى أحدث الأسلحة من رشاشات بآلاف الرصاصات وصواريخ مضادة للطائرات من إيطاليا، وعند الوصول إلى الإسكندرية في طريق العودة إلى المغرب، كانت ضربات جيش التحرير أرعبت قوات الاحتلال الفرنسي، فاضطر لفتح مفاوضات مع الملك محمد الخامس، الذي عاد إلى البلاد معلنا الاستقلال، فدبّر الراحل الغالي العراقي الاتصالات بقادة المقاومة وجيش التحرير، ولدي جميع تفاصيلها إلى أن رسا الاتفاق على تسليم السلاح وما تبقى من أموال جيش التحرير المغربي إلى الثورة الجزائرية دعمًا، وتسليمها أيضا الباخرة أطوس 2 إعارةً، ومقابل ذلك، حرّر أحمد بنبلة توصيلا يتضمّن بيانات مفصّلة بما تسلمه من الغالي العراقي، وسبق لي، مع سيدي الغالي العراقي، أن نشرنا ذلك، أولا، في الصحافة، وبعدها طوّرنا الموضوع في كتاب مشترك منشور ومعروف، عنوانه "ذاكرة جهاد ونضال"...
 
توقفت عند الراحل الغالي العراقي (الذي كان بمثابة والدي منذ قدّمني له المناضل الكبير السي محمد بنسعيد أيت إيدر، وكنا نتواصل أحيانا بشكل يومي)، لأنه تلقّى تعليمه بالمدرسة الوطنية في مدينة الجديدة، في المرحلة الزمنية، التي عايشها والد الكثيري، حيث الجميع كان يعرف رواد العمل الوطني أمثال قاسم العراقي، وعبد الرحمن لمسفر، وعبد الواحد القادري، والحاج عبد الله بن إبراهيم السوسي، ومن أبرز الوطنيين الذين كانوا أساتذة آنذاك هناك الشريف سيدي إسماعيل السملالي، والشريف المناضل سيدي عبد السلام الوزاني، والعلامة سيدي عبد الرحمان الرحماني، والأخوين الفقيهين سيدي محمد وأحمد الريفي، وكان للمؤسسة الوطنية، ومديرها آنذاك هو قاسم الزهيري، دور أساسي في تكوين عدد لا يستهان به من أطر وقواعد الإدارة الوطنية المغربية في عهد الاستقلال، وفي هذا الموضوع يمكن مراجعة كتاب الأستاذ قاسم الزهيري، الذي يحمل عنوان "مدرسة لها تاريخ"، وهناك أيضا كتاب الشريف الأستاذ إدريس لمسفر، أحد رموز الحركة الوطنية الاستقلالية بالجديدة، وهو بعنوان "صفحات من تاريخ الكفاح الوطني بالجديدة"، يقدم فيه نظرة شاملة على القواعد الوطنية وحركة التعليم بالعاصمة الدكالية، التي تعد من ذخائر النضال الدكالي.
 
والجميع كانوا يعرفون أسماء الوطنيين في المنطقة، ولا أحد يذكر شخصا مغمورا كان اسمه عباس الكثيري...
 
فالمجاهد الكبير الغالي العراقي الحسيني أصدر أربعة كتب عن تجربته في الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، وهو العارف بتفاصيل مدينة الجديدة ودروبها وأزقتها وشوارعها ومدارسها وأهلها، وهو الذي انتهى به الحال إلى قيام سلطات الاستعمار بنفيه من المدينة، حيث لجأ إلى طنجة، لكن لم يذكر شخصا اسمه عباس الكثيري.
 
والوطني الكبير إدريس المسفر كتب كتابا غنيا ومهما جدا عن الحركة الوطنية بمدينة الجديدة ذكَر، بالتفاصيل، الأشخاص المساهمين في مدرسة الصفاء الحسنية بالجديدة، ولم يذكر من بينهم عباس الكثيري. كما ذكَر، بالتفاصيل، المساهمين في تنظيم إضراب يومي 7 و8 دجنبر 1952 ولم يذكر من بينهم عباس الكثيري. وتحدث عن علاقة أبناء الجديدة بمحمد الخامس واتصالهم به وبمولاي الحسن ومولاي عبد الله، ولم يذكر من بينهم عباس الكثيري.
 
وكل المعتقلين بسجن العذير بالجديدة بسبب العمل الوطني، ومنهم من ما زالوا على قيد الحياة، لا يذكرون شخصا اسمه عباس الكثيري.
 
لكن، بقدرة مندوب للمقاومة وجيش التحرير، اسمه مصطفى الكثيري، جرى تعيينه سنة 2001، أصبح هذا الشخص المغمور المدعو عباس الكثيري علَما من أعلام الوطنية الكبار... ولعلة ما، كان المندوب إياه يتحيّن الفرص لصُنع بروفايل وطني ومقاوم لوالده، وانتظر حتى توفي أغلب أطر الحركة الوطنية العارفين بتفاصيل العمل الوطني ورجالاته في الجديدة، أمثال قاسم الزهيري وعبد الكريم الخطيب وعبد الكريم المسفر، وتأكد أن الراحل الغالي العراقي كان في حالة حرجة من المرض، الذي أودى بحياته...، في هذا الوقت، سيتكلّف موظف بمندوبية الجديدة (سيصبح بعدها هو المندوب في مدينة الجديدة) بتوقيع نبذة عن حياة والد مصطفى الكثيري، ثم سيحشر النبذة في المجلد السادس من موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، التي تصدرها مندوبية الكثيري.
 
واعتبر المقال/النبذة أن عباس الكثيري من وجهاء مدينة الجديدة، وأنه من المساهمين في تأسيس التعليم الحر للحركة الوطنية بمدينة الجديدة خلال أربعينيات القرن الماضي، فيما يعود الفضل في تأسيس هذا التعليم لقاسم الزهيري...
 
بل وذهب الأمر إلى اعتبار عباس الكثيري من الحاملين للواء الوطنية ولواء المقاومة، وأنه أسس خلايا للعمل الوطني، وأنه من المساهمين في تنظيم إضراب يومي 7 و8 دجنبر 1952 بمناسبة التضامن المغربي مع الشعب التونسي إثر اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد...
 
وأعتبر المقال والد الكثيري من زوار السلطان محمد الخامس، وأنه تعرض للاعتقال بسبب ذلك. واعتبره أيضا من المزودين للمعتقلين الوطنيين بالجرائد وغيرها، وأنه كان يتوصل بجرائد "العلم" و"الرأي العام"، و"لوموند" و"كران تيرور" الفرنسيتين.
 
وباختصار، فإن عباس الكثيري الرجل الفقير والبئيس، الذي لم يذكره أي أحد من أقطاب الوطنية في كتبهم عن الحركة الوطنية في الجديدة، والذي لم يره الناس يوما في مسيرة، ولم يروه يتبرع يوما ولو بسنتيم للوطنيين، ولم يروه معتقلا ولا رأوه يُرمى به، مثلهم، سجنا، صار بقدرة ابنه المندوب السامي وطنيا كبيرا ومقاوما بارزا ورجلا ذا وجاهةٍ وصيتٍ اخترقا الآفاق...
 
إن من يعرف مدينة الجديدة عن حق، كما ذكر عدد من الجديديين، ويعرف دروبها وأزقتها ودقائقها وتفاصيل سكانها وأهلها، لا يعلم أن هناك شخصا اسمه عباس الكثيري كان من سكانها، فبالأحرى أن يكون من أعيانها، الذين كانوا معدودين، ثم من وطنييها ومقاوميها، الذين كانوا معروفين...
 
وعندما ظهرت هذه النبذة العجيبة، أول مرة، تؤرخ لشخص نكرة اسمه عباس الكثيري، في سنة 2013، انفجر مقاومون غضبا وتحدثوا إلى الزميلة "كود"، وذكروا أن عباس الكثيري لم يسمعوا به إلا بعدما أصبح ابنه مندوبا ساميا لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أما بعضهم ممن تصادف أنهم عرفوه، فذكروا أنه كان يقيم بدوار سيدي موسى بضواحي مدينة الجديدة، ولم يكن منخرطا في أي حزب سياسي، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة، ولم يكن يقتني الجرائد، وأنه كان يشتغل مع عسس مربط الخيول بالجديدة...
 
وأما ابنه المندوب، فقد عاش على مساعدة الغير، منهم والد الجنرال عبد الحق القادري، الذي أدخله مدرسة التعليم الحر فضلا وإحسانا، وإلا ما كان له ليواصل دراسته.
 
أما إضراب 1952، فمازال بعض من دعوا إليه على قيد الحياة، ويمكن استفسارهم، وبخصوص مدرسة الصفاء الحسنية، فلم يكن لعباس الكثيري أي علاقة بها، أما محمد الخامس فلم يره إلا في "القمر" والصور والأحلام أو الأوهام... وأما العمل الوطني السري، والجرائد، و"العلم" و"الرأي العام" اللدودتان اللتان لا تلتقيان، إذ إن متابعي جريدة منهما لم يكن يقرب للثانية، التي يعتبرها "عدوة"، إضافة إلى "لوموند"، فتلك نكتة للضحك على الذقون...
 
لقد تجرأ مصطفى الكثيري، بلا خجل، وتحرى الكذب لتزوير التاريخ فجعل من والده علما وطنيا ومقاوما بارزا!!! يقول المثل العامي المغربي "ظاهْرْ الحْيَا على وجه الطّرّاحْ"، ومصطفى الكثيري طرّاح ونص...