الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

أمال حَجِّي في قصيدة جديدة: sla.. نَبْتَة المَعْجُون لِعُشّاق الأَرْض والسما!

 
أمال حَجِّي
 
هِيَ المَدِينَة كُلّها تَجَمَّدت، هِيَ كُلّها..
كُلّها تَجَمَّدت فِيكَ وَتَسِير.. وَتسِيل..
من لَيْل إِلَى لَيْل.. من صَباح باكر إِلَى صَباح آخَر أَقْوَى.. هِيَ المَدِينَة كُلّها بِنومها، وَنُعاسها، وَصَحوها، وَسَهْوها، وَبُعْدها، وَدنُوها من الانْفِجار فِيكَ دُونَ رَحْمَة..
دُونَ انْتِظار..
هُوَ الخَطْو البَطِيء.. هُوَ السيْر السَرِيع،
نَحْوَ العَقَبَة.. نَحْوَ الصَلاَة.. نَحْوَ السُجُود..
نَحْوَ المنازِل.. نَحْوَ الدُور العَتِيقَة لِآل الناس وَآلنا..
نَحْوَ مَصابِيح مُعَلَّقَة عَلَى العَتَبات..
يَتَدَلَّى نُورها فِيكَ..
بِلَذَّة، وَشَهْوَة.. تَولّد فِيكَ فَرحا وَأَعْراسا..
هِيَ المَدِينَة خَيْمَة كُبْرى تَمُور فِيكَ وَتَدُور..
تَمُور فِيكَ كَحَبّات رُمّانها، وَأَشْجارها..
وَشَجَر البَلُّوط فِيها.. فِي المَعْمُورَة وَالضَواحِي، كل ضَواحِيها، وَخضار السوانِي، كُلّ سَوانِيها.
 
هِيَ المَدِينَة كُلّها، بِكُلّ ثِقْلها،
وَخِفَّة رُوح أَهْلها، وَشُيُوخها، وَمَوالِيدها، وَبَنات بَناتها..
هِيَ كُلّها.. وَكَلَها من لَسْعَة لَلَسْعَة..
تَشِعّ فِي ثَناياك، فِي مَفاصِل المَفاصِل..
فِي رُوحكَ، وَرُوحكَ، وَرُوحكَ.
 
هيَ، هٰكَذا، إِذا.. مَدِينَة بِأَكْمَلها..
بِأسْوارها، وَأَحْجارها، وَأَقْواسها،
وَمَجْدها، وَعَلْيائها، وَزِينتها، وَزِينتها الخالِدَة..
بِشُيُوخها، وَالفُقَهاء فِيها، وَشعْبها، وقبائلها، وَمُرِيدِيها، وَخدّامها لَكَ.. أَيّها الفَتَى..
أَيّها ذاكَ الَّذِي..
أَيّها أَنْتَ الَّذِي..
أَيّها الطفْل المُشاغِب،
المُدَلَّل بِرَوْعَة الأَنْوار، وَلَوْعَة الأَخْيار.
 
المجاهدون السلاويون، أثناء إغراقهم لسفن حربية أوروبية
(رسم من القرن السابع عشر)
 
هِيَ كُلّها، بِالمُطْلَق،
هِيَ كُلّها عَلَى الإِطْلاق
بِمُحارِبِي مائها،
بِمُجاهِدِي مَراكِبها الحَرْبِيَّة،
فَوْق مُحِيطات ناطِحات السَحّاب، وَبِأَعْلامها البَحْرِيَّة، كُلّ أَعْلامها:
 
الأعلام البحرية السلاوية
 
بِسُيُوفها.. بِكُلّ سُيُوفها اللامِعات، الدامعات بِدَم الغُزاَة..
 
أمّنا سلا، سلا الولادة، أهدتنا بسخاء، أهدتنا وأهدت الوطن كله، محاربا من فولاذ ومن رخام، أهدتنا سيدي محمد بن أحمد المالكي الزياني العياشي، المجاهد، البطل الشعبي، المتصوف، قاهر الأوروبيين، الذي لا يمكن تجاوز ذكره، وعطاءاته بأي شكل من الأشكال، فداءً للبلاد...
 
سيدي محمد بن أحمد المالكي الزياني العياشي
 
هكذا، هم الجبابرة الأوحدون، حين هبّ مدافعا عن حوزة البلد، عن ثغوره، عن سيادته الوطنية، لحظة وهن السلطة المركزية. لم ينتظر إشارة من أحد، لم يطلب إذنا من أحد، بل أن غيرته، ذات النفس الطويل، دامت لأكثر من أربعين حولا، ضد الغزو الأجنبي، خيمة تظلل جناح هذه البلاد، وتحميها بالنفس الصوفي، تحميها من أطماع الطامعين، دون مقابل. هكذا، إذا، الفدائيون الألمعون، أبناء هذه المدينة الفاضلة، الولادة، في الماضي، بالأمس، وإلى حد الآن!
 
هذه المدينة، بِمائها، كُلّ مائها تَسْبَح فِيهِ المَدِينَة،
المَدِينَة كُلّها.. يَضِيق الماء بِها.. يَخْرُج من شُقُوقها،
من شَبابِيكها، وَأَبْوابها..
نَحْوَ مَفازات السُكُون،
وَكَسْر السَلاسِل، نَحْوَ الشمُوس الدافِئَة،
وَنَحْو الحُرِّية: الحُرِّية، الحُرِّية، الحُرِّية ما أَحْلاها!..
نَحْوَ حُورِية الحُرِّية، نَحْوَ سَكِينَة البَريَّة.
 
مدينة سلا، ادوين لورد ويكس (1849-1903)
 
sla
سلا، مَرْمَر فِضِّي،
وَضَعَ خَتْمهُ عَلَى خصْرها،
فَنَما، وَتَحَوَّلَ إِلَى مَلاك!
هِيَ، باقة مُرُوج وَرْدِيَّة،
حَطَّت عَلَى مائها، تَحَوَّلَ الكَوْن بِها إِلَى فَرادِيس،
يَتَغَنَّى بِها القِدِّيس، وَالشُعَراء، وَالأَنْبِياء!
 
الحسين السلاوي
 
يصدح، الشادي الأبدي، المتأنق، حسين السلاوي (الحسين بن بوشعيب):
"عمّرْ لو سبسي.. على دموع الحب".
"تبلينا بالعيسي يا ناس الله يعفو ويتوب"!
وكأنه يهيئنا لنزهة رياض الجنة:
"السانية والبير والما جاري لالة لالة
القبة خضرا بسواريها لالة لالة
عاري على سلوان وماليها لالة لالة"...
 
الشيخ الحاج أحمد سهوم
 
ويتمم، الشيخ العملاق أحمد سهوم، من ما وراء النجوم،
ويرشنا بمقاطع من أبيات قصيدة "زينب" للشيخ محمد البوعمري يتسلطن علينا فيها:
نَهْجْ اَلْحُبّْ دْقِيقْ مَا وْصَفْ دِيوَانُ مَحْجُوبْ
فَحْوَالْ اَلْعُشَّاقْ سِمْتُ لِهَـا سَرّْ عْجِيبْ
يَدْرِيهَا مَحْبُوبْ فِي سْبِيلْ اَلْعَشْقْ مْأَدَّبْ
سَالَكْ بَحْرْ الذّوْقْ وَاَلْهْوَى بَالسَّرّْ الْمَطْلُوبْ
 
محمد بن أحمد الباررودي "صاحب الخفة في الاداء وتوليد الألحان"
 
وختم المرحوم محمد بن أحمد البارودي، هذا المشهد، بحكمة بليغة:
لن يتأتى لكما ذلك، يا خلان، إلا بحلول "شمس العشية"!!
هذا الرجل إنسان رائع، أنيق، استثنائي، وفريد. هو، "صاحب الخفة في الأداء وتوليد الألحان"، ولد بسلا، ودفن بين أطياب روضة باب فتوح بفاس العلياء.
وكان قد غادر "سلاه"، وعاد إليها بعد ترحال، ليملأ سماها بعبق موسيقاه الأندلسية، ويطلق العنان لكمانه الفريد في كل الدروب.
 
جوق البارودي
 
كلام بليغ، كلام عتيق، كلام من عقيق. كلام مصفى.. كلام خاثر، كلام ذو معنى، كلام له مبنى وله أساس.. جواز سفر نحو اللذة، والطيبة، والخلود. سأرمي هذه الآيات في بطن نهرنا الخالد، نهرنا العظيم، رقراقنا السرمدي. سأرميه فيه، يفجّر فينا أسراره، يهدينا محاره، وطحالبه من لؤلؤ، ويمنحنا حكمته السرمدية!
 
من الآن، فَصاعِداً، سَأُعَلِّمكُم نُطْق أسْم مَدِينتكُم، كَما تنْطِقُونَ، بِدَلع شَدِيد:
بَيْرُوت..
دِمَشْق..
وَحَلَب!
وَكَمّا تَتَغَنُّونَ، بــ:
القُدْس..
وَيافا!
وَتَسْتَهْوِيكُم:
عَدْن..
وَأَرْبِيل،
وَبَغْداد!
 
ستتحول "سلاكم" إلى شمعدانة،
يقطر منها دمع الهوى والغرام.
لعشقكم، لحبكم، لهواكم.
 
سلا، ستتحول بكم إلى عاصمة الرقة،
والبهاء، والسرمد النبوي.
 
هِيَ البَتْراء تُحَيِّيكِ،
هِيَ البَتْراء لَكِ.
 
حِينَ اشْتَهاكِ "أَدُونِيس" رَقِيما لَها،
لَمّا صَعدتِ إِلَى السماء
وَقَعَدتِ فَوْق غَيْمَة
وَبَكَيتِ أَمامَ اللّٰه!
 
 
مَن هذه الفاتِنَة، الَّتِي سَمّوها سلا، عِنْدَ وِلادتها،
مَن؟؟:
هِيَ التِي قادَت رِجال بِلاد "الحَوْز"
إِلَى الشَواطِئ المَهْدِيَّة، رافِعَة رايَة التَمْكِين!!
 
sla
أُحِبّ، أكْثَر ما أُحِبّ،
لَفْحَة سَلا القُرْطُبِيَّة،
تَتَغَنَّج فِي هَواها الأَنْدَلُسِيّ،
تُراقِص ماءها الأَطْلَسِيّ،
تَتَزَيَّن بِرمْشها الكُحْلِيّ،
تَتِيه فِي بِحُور المَلْحُون،
تَشْتَمّ نَبْتَة المَعْجُون،
تَأْخُذ بِلُبّ أَلْباب العَقُول،
نَبْتَة المَعْجُون لِعُشّاق الأَرْض والسما!!