الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

العبيد في مغرب الأمس القريب.. 3- استعراض للقوة في الخارج وأسرار خلف الأسوار

حلقات يعدها الزميل محمد الخدادي عن العبيد في مغرب الأمس القريب
 
 
في إطلالة على عالم العبودية من ماض قريب، نقدم في حلقات رصدا لبعض مظاهر العبودية والرق بالمغرب في القرن التاسع عشر، بالاعتماد على كتاب للباحث المغربي السوسيولوجي محمد الناجي، عن "الجنود والخدم والجواري"، صدر في طبعة ثانية باللغة الفرنسية عن "منشورات إديف" عام 1994.
 
 
 
3- استعراض للقوة في الخارج وأسرار خلف الأسوار
 
أدى الاحتكاك العسكري بين أوروبا والمغرب، (حرب إيسلي ضد فرنسا على الحدود مع الحزائر، عام 1844، وحرب تطوان ضد إسبانيا في 1859)، إلى ظهور اتجاه تحديثي في الدولة المغربية، بدأ في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمان (1859 – 1871)، واستمر مع خلفه الحسن الأول (1871- 1894)، ساهم في إعادة تنظيم "عبيد البخاري"، الذي كان المولى إسماعيل أنشأه في القرن السابق، في الجيش من حيث التجميع والتدريب.
لكن استخدام العبيد لم يقتصر على الدولة، بل شكل، أيضا، عنوانا للقوة والثروة لدى الأغنياء في المدن والبوادي، حتى أن بعضهم كان يستعرض مظاهر القوة في أزقة فاس، ممتطيا جواده ومحاطا بعبيد أقوياء البنية. وآخر يتمنى أن "يكون محاطا، حيثما حل وارتحل، بأسرته وبجارية وعبد"، وأن يهزم كل الخصوم والأعداء، كما يسجل المختار السوسي، في كتاب "المعسول".
وتشكل "الدور الكبرى" وقصبات القواد الكبار، بامتياز، نموذجا للوظيفة الاجتماعية والسياسية للعبودية في مغرب القرن التاسع عشر. فقد انتعشت إحدى الدور الكبرى في منطقة إليغ، على بعد حوالي 40 كيلومترا من تيزنيت، وهي امتداد لما يشبه إمارة محلي، تعود إلى القرن السابع عشر، وفقدت مكانتها في الصراعات المحلية، قبل أن تستعيد النفوذ، وتصبح أحد المراكز الكبرى لتجارة القوافل الصحراوية بالمنطقة.
في منتصف القرن التاسع عشر، آلت زعامة الدار إلى الحسين بن هاشم، الذي بنى ثروة كبيرة، وأعاد للعائلة أمجاد الأجداد بشراء كل الأراضي ومصادر الماء في المنطقة، مستخدما كل الوسائل الممكنة، من مال، وتحايل، وسطو على عوائد الأحباس والمواريث، من دون التردد في اللجوء إلى القوة، عند الضرورة، لتوسيع أملاك الدار.
وما كان للثروة أن تتراكم، وللقوة أن تقوم وتدوم، لولا سواعد الأتباع من عبيد وسود وأشباه العبيد من الخدام. وحسب رواية محلية، فإن سيد الدار مدين بكل ما كسب لنصيحة "ولي" يدعى نوح، أشار عليه أن يحيط قلعته "بعدد كبير من إيسمكان" (العبيد بتشلحيت)، وأن يحسن معاملتهم "كإخوة، لأن العبيد لا ينكرون الجميل أبدا، ولا يخونون سيدهم".
اقتنى الحسين أعدادا كبيرة من العبيد، من إفريقيا السوداء، ومن الصحراء، وكذا من قبائل المنطقة، بالإضافة إلى العبيد الفارين من أسياد آخرين.
قام بلاط حقيقي في دار إليغ، يضم كل أصناف العبيد ذكورا وإناثا، من جواري المتعة إلى مرضعات ومربيات الأطفال، إلى خادمات البيت في مختلف الأغراض، وحراس القصبة، والحقول، والبساتين، والعاملين في الفلاحة، ورعاة القطعان. ولإرضاء طموح الزعامة لدى سيد القصبة، أضفى على المتفوقين في الولاء امتيازات خاصة، فسماهم في مرتبة قائد، على الطريقة المخزنية، واشتهر من بينهم، على الخصوص، القواد صامبا، وفراجي، ومعطى الله، الذين استمرت أسماؤهم حاضرة في الذاكرة الشعبية حتى الستينيات من القرن الماضي.
وإذا كان بعض المستشرقين والرحالة الأوروبيين بالغوا في تحديد عدد العبيد بإليغ في تلك الفترة، فقد صنفوا في خانة الرقيق كل ذوي الملامح السوداء والزنجية، من حراطين وأحرار يرتبطون بالقصبة عن طريق العمل مقابل أجر نقدي أو جزء من المحصول.
يتحدث الهولندي أوسكار لينز، الذي زار المنطقة في منتصف القرن، عن "قايد مر أمام خيمتنا، وانحنى قليلا ردا على تحيتنا. إنه زنجي متقدم في السن، تسري أوامره بقوة على جيش من العبيد قوامه حوالي خمسة آلاف فرد".
أما حفدة الحسين بن هاشم، الذين كانوا على قيد الحياة إلى حدود الثمانينيات من القرن الماضي، فلم تتجاوز تقديراتهم 700 أسرة من العبيد في "الدار الكبرى" بإليغ.
وكما قامت الدار من الأنقاض على يد الحسين، فإنها دخلت مجددا مرحلة الانهيار بعد رحيله، في أواخر القرن التاسع عشر، ولم تقم لها قائمة بعد الأفول التدريجي. انصرف العبيد تباعا مع تقلص الثروة وزوال القوة الاقتصادية والمعنوية، وتحول قسم منهم إلى خماسين ورباعين، بينما فر آخرون بعيدا، أو لجأوا إلى سادة محليين، وقسم آخر منهم جرى بيعه.
مع بداية النفوذ الاستعماري في المنطقة، هاجر بعض العبيد إلى المدن أو إلى أوروبا، مع الاحتفاظ بروابط مع الأسياد السابقين.
ولم يشكل وضع العبودية مصدر بؤس ومعاناة لكل العبيد، فالذاكرة الشعبية تمجد "بطولات" القواد السود في المعارك، وفي إخماد حركات التمرد. كما توفرت الزوايا على قوات خاصة للدفاع عن أملاكها، وأنجدت المخزن بالمقاتلين عند الضرورة، كما حصل في حرب تطوان ضد إسبانيا، إذ يورد المختار السوسي أن فقيها استجاب لدعوة السلطان إلى الجهاد "فأخرج 50 بندقية محلية الصنع، ووزعها على العبيد والطلبة".