الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

أبراهام السرفاتي قبل وبعد الممات

 
عبد القادر الشاوي
 
 
الرجل الثوري
 
ما زلت أرى أبراهام السرفاتي، إلى الآن، في الذكريات المتبقية من أزمنة القهر، وأحيانا في المنام، وغالبا في إطار التخمين، على تلك الهيئة الإنسانية الضخمة، التي رأيته عليها في مقهى (غطيس) بحاضرة مرتيل، أيامها، قبالة بحر لم يكن قد تحجّب، كما أرادَ الإسلاميون (وأقولها بمكر إمعانا في الاتهام) لنسائه أن يتحجبن على رماله الحارة المتحركة. نحن في بداية صيف 1970، وأطروحة العمل في (الجيش ودوره في الثورة الوطنية الديموقراطية) طرية ونابحة وملتهبة خرجت من الفرن السري، على عجل، بعد أن صيغت في صالون رباطي غير مكيف… وكيف للصالونات الرباطية في تلك الأيام أن تكون مكيفة وهي الثورية الحاقدة على البورجوازية الصغيرة المريضة بذاتها؟. وحين استلمت الوثيقة على استحياء وفي خوف، والشاهد على ذلك في تلك الأثناء رفيق مفدى لا أريد ذكر اسمه بدون استئذان، شعرت بالفرح تحت نظرات مفعمة بالاطمئنان صوّبها نحوي عبد اللطيف اللعبي. وإذ أذكر هذا أسارع إلى القول: إن الوثيقة لم تكن شعرية، ولا فيها من نفحات (سوفل) أي تجديد أو تمرد. الوثيقة الثورية، التي أراد لها أصحابها، جريا على أساليب الماركسيين اللينينيين في اللعب مع الجيوش الوطنية، أن تكون لي ولرفيقي حجة ملزمة لنا شاهدة لو نطقت على انخراطنا في المعمعة القادمة.
 
نحن في بداية صيف 1970 وأطروحة العمل في (الجيش ودوره في الثورة الوطنية الديموقراطية) طرية وملتهبة خرجت من الفرن السري على عجل بعد أن صيغت في صالون رباطي غير مكيف
 
لم يكن أبراهام السرفاتي يعرف، على وجه التحديد، أو لا يعرف بالمطلق، أن الشمال لم يكن قد التحق عنوة بعد بحظيرة المملكة بعد أن علاه التهميش الحزين، وتقادم دوره التاريخي في الأسف الوطني، وانهارت بورجوازيته من حزن على الأندلس السليبىة. أما وأنه لم يكن يعرف حرقة التهميش التي صاحبت الهجوم العدواني على جباله وتمرداته و(حشيشه) وتهريبه وميوعة لسان أهله، من تَعّرَّب منهم أو تمَزَّغ، فأمر بدا جليا من كلامه عندما خاطبني في تلك الحضرة بلغة مقتصدة فيها نبرة نضالية ثورية لا تخطؤها الأذن المرهفة، هذا إلى عيٍّ في لغته تكاد لا تطاوعه في التعبير بالدارجة العربية… على طريقة بعض اليهود المغاربة الذين انحازوا بصورة طبيعية، منذ الصغر، على وجه الخصوص، إلى الفرنسيين دراسة ونموذجا وتزلفا. ولهذا يجب أن أقول إن أبراهام السرفاتي، الذي حل بشمالنا، قبل السرية وبعد الحزب الشيوعي (الانتظاري) على أحر من الجمر، جاء إليه كأي مصطاف آخر، بطبيعة الحال، لطلب الشمس والنظر البعيد إلى بعضِ أمواجٍ راغية قادمة تتقاذفها أسرار الضفة الأخرى الصاخبة، التي لا تبين أو تبين في وهج الصيف لعموم الراغبين في الهجرة. ثم لم يأت إليه كأي مصطاف آخر، بل لمهمة ثورية وجب المراهنة فيها، هذه المرة، على أبناء الشمال المساكين، أولئك الذين أتعبهم التهميش المشار إليه، وأذلهم (أصحاب الداخلية) النكراء، وأوحى لهم الفقر الطبيعي بالهشاشة، بحيث يكاد الرجل منهم أن يموت واقفا من صَبرٍ والمرأة حمّالة حطبٍ مِن إملاق… وهما معا لاهِيَان عن المصير.
 
لم يكن (غطيس) يعرف أننا بدأنا الثورة على النظام الاستبدادي من مطعمه البحري في اتجاه الأمواج، ولم يكن يعرف رفيقي في النضال أننا ولجنا السرية الغميسة بدون استئذان، ولم يكن عبد اللطيف اللعبي شاهدا فقط بل أقام من حولنا، بحجة التواطؤ البهي، خلية مركزية أوجَد لها رفيقنا الفنان المبدع المجدّد محمد شبعة إطارا من خشب العرعار المشهور في المنطقة… انحشرنا فيها مع ألوانها الغامقة حتى لم يعد لنا أي منقلب إليه ننقلب من الصِّباغة. من هنا كانت البداية. أما أبراهام السرفاتي، فبقي في صمته متكلما في السر، وفي هيبته الإنسانية معاندا في اللغة، وفي دعواته لنا بالرفقة محرضا يرجونا أن نتفاعل، في اللحظة الموالية بالسرعة القصوى، مع (الوثيقة) ذات المهام التعبوية التي لا تحتمل التأخير… علما بأن ذلك كان، للأسف الشديد، قبل (القواعد الحمراء المتحركة) التي تعرّف عليها المتأخرون في الحمى النضالية التي أخذتنا جميعا إلى (الدرب) يوم احتقنت في حمرتها وحرنت في انطلاقها واقتعدت مكانها.
 
الرجل المخلوع
 
والذاكرة تقول لي أيضا إنني رأيت أبراهام السرفاتي، بعد ذلك، قرب (المارشي سنطرال) متقنعا هاربا خفيفا شامخا ربما، مجرد تخمين، ذاهبا أبدا، تماما كما رأيت وجالست وقتها، في نفس المكان تقريبا، رفيقي البرشيدي الحزين عبد اللطيف زروال جلسة استشهاد ورؤية وداع قبل الموت الجبان الذي أماته به الجبناء في (الدرب) إياه. مشى السرفاتي في اتجاه ولم ألتق به، أقول ولم أره، في الحقيقة التي أتصورها، إلا في (الدرب) الذي يصاحبني الآن كرفيق عنيد لم تنهزم ذكراه ولا ذاكرته تحت أي تأثير مجاني. في الدرب وأنا أدلف متعثرا في (الكاكي) تشدني العصابة من الخلف إلى الحائط الذي استقبلني قبل التعذيب. كان إبراهام السرفاتي مستلقيا على فراش خشبي في (الممر) الكالح الذي يلعلع (يتكسر) فيه الصراخ، ويتساكن فيه التعذيب إلى الألم، ويسمع فيه المعتقل آهات قلبه ورعدة جسمه وانفلات خوفه منه. أرجوك لا تقل لي كيف رأيتُ السرفاتي وأنا المعصب العينين، فهذا من اختصاص المعتقل الذي لا تراه أنتَ. ولا تطلب مني تفسيرا لرؤيتي لأنني لم أشتبه في إنسان، ولا تطلب مني أي شيء آخر لأن الرؤية غامت في دربها مع الغيوم التي غارت على وجوهنا جميعا. أرجوك لا تسألني لأنك تعرف أن أبراهام السرفاتي يهودي لا شك في (سَفَرْدِيَّتِهِ séfarade)، شاب شيوعي قبل العشرين، وبعد المرحوم علي يعته، « برازيلي» على ذمة مأسوف ادعى عليه ولم يرخصوا له، هو نفسه، أبدا بالبقاء في جنان التحكم بعد (البيعة)، ويا ما أكثر أدواره في التأطير الهندسي وأفكاره في التنظير الماركسي وألاعيبه في الحياة الدنيا وقد عاشها هنيا فرحا بها مستذوقا لذائذها عارفا بمباهجها وأسرار الغنم واليُمْنِ منها. ويا ما أكثر آلامه الخاصة المبرحة التي ترك في قَسْوَتها بدون فدية ولا ثأر أختا وولدا وعائلة وطائفة وملة ورفاق درب… فهو العذاب حين تُعرِّفه بالإيجاب، أي تلك القدرة على احتمال الأذى والمصائب والقدرة على التكيف، في أعلى درجات الملمات، مع العقل والنضال والحياة المربكة والمرتبكة.
 
لم يكن عبد اللطيف اللعبي شاهدا فقط بل أقام من حولنا بحجة التواطؤ البهي خلية مركزية أوجَد لها رفيقنا الفنان المبدع المجدّد محمد شبعة إطارا من خشب العرعار المشهور في المنطقة
 
وكان أبراهام السرفاتي في تلك الرؤية المتخيلة أو الواقعية، لا يهمني، دائما أكبرنا وأعظمهم: أعظم من أشياعه وأتباعه لأنه كبيرهم الذي علمهم السحر الماركسي، وأكبر منا لأن كِبَرَ سنه كان ضمانة لأمننا الجماعي، وأُسّا للدعاية التي دعت لتحريرنا من الأسر، وعلما حار الحسن الثاني في قمعه، فما وجد للرفض سبيلا في وجه الحُسن الصَّبوح الذي راوغه بابتسامة ساحرة من (آن سنكلير)... تلك الفرنٍسية التي فضح Dsk وفاءها البليد وعذريتها المخملية. وهنا أقول: إن أبراهام السرفاتي كان بمثابة وعينا الجماعي حتى عندما تخلى عنه بعض رفاقه لخلاف في أسباب العودة التي لم تكن ثورية في عرفهم، ولأسباب في الظهور مع قوم لم يسبق لهم أن اعتقلوا كما أرادوا لهم في قضية سياسية، أي أنهم لم يتطهروا أو يتنجسوا في السجون، ولتحية في الولاء قدمها بنبل لمن أجزل له العطايا بدون طلب ولا رغبة ولا عفو. فقراء الماركسية اللينينية لا يفقهون شيئا في العواطف حارة وباردة، ولا في أوفاق السن الطاعن في النضال إصلاحيا أم ثوريا لا يهم. هل كان من الضروري أن يظل أبراهام السرفاتي منفيا في النضال واللغة والغربة والثورة نفسها وفِي الغيتو الذي أرادوه لعزلته حتى ينال رضاهم الرفاقي الأجدر بالخلود؟. أنا لا أرى ذلك كما رأيت أبراهام منذ الْيَوْم الأول من بداية السبعينيات من القرن الماضي، ولهم أن يروا ذلك، ما همني، لأن عمى الألوان أسود اللون.
 
أبراهام السرفاتي كان بمثابة وعينا الجماعي حتى عندما تخلى عنه بعض رفاقه  فقراء الماركسية اللينينية لخلاف في أسباب العودة التي لم تكن ثورية في عرفهم
 
سينزل أبراهام السرفاتي في الكرسي المتحرك وهو يتمايل به على سلم الطائرة القادمة من باريز. ولا أحد، إلى يوم الناس هذا، بإمكانه أن يعرف هل تصفح مجلة (لارام) الفاقعة الألوان السياحية، وهل أكل شيئا في الدرجة الأولى قبل أن يخلد إلى قيلولة ملكية، ولا يعرفون بالتأكيد كيف قفز قلبه من جوفه إلى حضن (كريستين) فأبحر في دمه على وفاء ورغبة واشتهاء. بل ولا يعرفون كيف حلقت به الطائرة الملكية عاليا في أجواء الانتقال الديمقراطي الموعود منذ فشل الثورة الشعبية الديموقراطية.
 
عودة الرَّجُلَيْن معا
 
يتقدم عمر عزيمان ويتأخر حسن أوريد، تميد الصورة الباقية بالطفيليين من جميع الأعمار والمراتب والحساسيات والشبهات، وكذا بجميع أولئك الذين سبق لهم أن تقدموا بالنقد الذاتي الثوري طائعين خائفين من الطرد والخيانة. وحده أبراهام السرفاتي كان مزهوا بنفسه يرى القوم وقد حجوا إليه بعد أن نسوا ذاكراتهم في المضاجع... الأليفة. هذا هو الحجيج النضالي الذي لا ينتهي... هذا هو العرس اليساري!!
 
لقد عاد (العمل الثوري في الجيش) بعد ثلاثة عقود من الزمن المتحول الذي لم تنتصر فيه ثورة... أو لعلك ترى كيف تنزل تلك الثورة الآن مُقعدة في كرسي متحرك منزلة بين منزلتين: الفشل والشيخوخة. حزنت بالطبع على أبراهام السرفاتي في الحياة كما في الممات... في الحياة لأنني لم أنتم بالصدفة إلى نهجه، فلم أشبع من علمه الثوري، وبقيت تائها في التفسير العقيم الذي حكاه لي عن الانتحار الطبقي والعمل في الجيش قبل أن يعمل فينا هذا الجيش بنادقه... أنا ابن البادية الذي لم يستوعب معنى الغنى إلا حين حررته المدرسة العليا من الفاقة. أما فِي الممات فلأنه تركني وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر مع تلك السُبَّة التاريخية الملعونة التي طاردتني في الحل والترحال. أقصد أنكم تعرفون أنني بورجوازي صغير صناعتي البائرة الكتابة والكلام حرفتي. ثم إنه، في نفس الممات، حين كبر السرفاتي في غفلة منا رأيته منذ السجن يتخلى تدريجيا عن الحركة الثورية ويقترب أكثر من النظرية الثورية، فقد نسي عمدا أن يجمع بينهما بالجدل المادي كما أوصانا بذلك لينين... في تلك الفترة التي كادت فيها القواعد الحمراء المتحركة أن تغادر البادية لمحاصرة المدن العمالية تحقيقا للتحالف الموعود.
 
حين كبر السرفاتي في غفلة منا رأيته منذ السجن يتخلى تدريجيا عن الحركة الثورية ويقترب أكثر من النظرية الثورية فقد نسي عمدا أن يجمع بينهما بالجدل المادي كما أوصانا بذلك لينين
 
أريد الْيَوْمَ أن أعلن الحداد الإصلاحي لوحدي، وسأبكي بالتأكيد من حرقة قبل وفاتي، لأنني لم أقل لأبراهام، الذي كنت أكْبِر فيه يهوديته قبل نضاله: نم قرير العين يا حبيبي، فلم نر بعدك في المقاومة إلا ما أقرته الشرعية. أحفادك يا رفيقي يملأون الشوارع بالاحتجاج، ويعارضون في المعارضة، ونهجهم شرعي لا لَبْس فيه، وحين أتي عليهم حين المشاركة في الانتخابات لم يعثروا على أسمائهم في القوائم الانتخابية فماتوا في المقاطعة. خيرا فعل هؤلاء الأشاوس قبل موعد حلول الملكية البرلمانية من الدول الجمهورية ضيفا علينا.