الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

مير اللفت.. المعلمة السياحية والتاريخية التي جار عليها الزمان ومنتخبوها الذين أهملوا مصالح السكان

 
عبد الكريم غيلان
 
 
يرجع اسم مير اللفت إلى عدة معاني: هناك من يقول إنه اسم فرنسي، وهناك من يقول إسباني، وهي أساسا تعني كلمة mer المياه وleft اليسار، وتعني المياه اليسارية السارية، وهناك من يقول أيضا: اللفت، ويرجع إلى الفجل، وهناك قصة تقول: إن جنودا فرنسيين أيام الاستعمار، كانوا في تارگا (Targa)، وهو مكان في مير اللفت يزرع فيه سكان القرية زراعاتهم الفلاحية، وعندما حلّ به الجنود، استغرب أحدهم عند رؤية فجلة كبيرة الحجم، وعندما طُرحت الترجمة على السكان، كُتبت: أمير اللفت، وتعني: أمير الفجل (أو ملك الفجل أو الزعيم نسبة إلى حجمها)...
 
تقع مير اللفت جنوب المغرب، وتبعد عن مدينة سيدي إفني بـ35 كلم، ويبلغ عدد سكانها 8126 نسمة، حسب الإحصاء الأخير المنجز سنة 2014.
 
تحظى مير اللفت بشهرة واسعة على الصعيد الوطني كقبلة سياحية مميزة تغري، على مدار السنة، آلاف السياح المغاربة والأجانب الراغبين في الاستجمام والتمتع بسحر شواطئها الجميلة، وبفضاء جميل لممارسة العديد من الأنشطة الرياضية، وخاصة الرياضات الشاطئية، التي مكّنتها من جذب عدد كبير من مشاهير الرياضة والفن، قصد الاستقرار بين أحضانها والاستمتاع بممارسة هواياتهم المائية المفضلة، وفي صدارتها ركوب الموج (الركمجة).
 
بيد أنه، رغم المؤهلات السياحية الكبيرة لجماعة مير اللفت وموقعها الساحلي المتميز الممتد على عدة شواطئ (تمحروشت، ايمن تركا، الشيخ سيدي محمد بنعبد الله، سيدي الوافي...)، إضافة إلى تموقعها الاستراتيجي المهم كبوابة لجهة كلميم وادنون من مدخل إقليم تزنيت، فإنها ما زالت تعاني ويلات الإقصاء والتهميش، ولم ترقَ بعد إلى مستوى وضع تنموي يوازي قيمتها كمنطقة شبه حضرية، لها من المقومات السياحية الشيء الكثير.
 
واللافت أن التأخر التنموي لجماعة مير اللفت ليس وليد اليوم، بل هو نتاج إكراهات عديدة تراكمت منذ عدة سنين، وتتجلى أساسا في ضعف البنية التحتية، التي لا تتجاوز فيها نسبة التطهير السائل 20 في المائة من مساحة المركز، وتهيمن عليها الشوارع والأزقة ناقصة التهيئة، وكذا الغياب الكامل لبنية رياضية وثقافية وسياحية من شأنها استقطاب الفاعلين الاقتصاديين من أجل الاستثمار بالمنطقة، وبالتالي وضعها في سكتها السياحية الصحيحة، التي تعرف بها على الصعيدين الوطني والدولي.
 
وبالنسبة للدواوير الهامشية للمركز، فإنها تعيش على وقع نقص كبير في الجانب المتعلق بضروريات العيش، وتعاني من طرق غير معبدة وانقطاع متكرر في خدمات الماء والكهرباء، خصوصا خلال فترة الصيف، فضلا عن تهالك شبكة الكهرباء، التي تتساقط أعمدتها تباعا فوق المنازل، مشكلة تهديدا خطيرا لحياة السكان، وشوارعها وأزقتها ما زالت تكسوها الأتربة، ومآثرها التاريخية أساسية لكنها تنتظر التأهيل، إضافة إلى شاطئ يحتاج مزيدا من العناية...
 
من هذه المآثر التاريخية، مثلا، قشلة أوفلا، التي تعد واحدة من بين المؤهلات الممكن تثمينها واستثمارها سياحيا لما تختزنه من مرافق تاريخية متنوعة بمآثر معمارية مغرية، لكن للأسف طالتها أيادي الإهمال، وظلت تواجه مخاطر الخراب سنة تلوى الأخرى.
 
قشلة أوفلا هي بناية تاريخية تعود لثكنة عسكرية من مخلفات الاستعمار، بنيت منذ عام 1935، وما زالت أطلالها تراقب البلدة هناك من قمة الجبل، ويقصدها الزوار بين الحين والآخر، وخاصة منهم الأجانب.
 
وهذا كله يجري أمام "صمت من تحملوا، خلال الولاية الأخيرة، مسؤولية الإشراف على تدبير شأن الجماعة، وفشلوا في إيجاد الحلول الملائمة للأزمات المتفاقمة"، حسب ما يردده العديد من سكان الجماعة...
 
وبخصوص القطاع الصحي المتدهور في جماعة مير اللفت، فحدث ولا حرج...، إذ تُرك السكان يواجهون أقدارهم بأنفسهم أمام ضرورة التنقل إلى سيدي إفني أو تزنيت، قصد الاستفادة من التطبيب، نظرا لعدم توفر المركز الصحي المحلي على معدات طبية وموارد بشرية كافية لتقديم خدمات في المستوى المطلوب؛ هذا في وقت لم تنتهج الجهات المعنية أي ترافع قصد تعزيز العرض الصحي في البلدة بمركز استشفائي قادر على التخفيف من معاناة السكان، وتسهيل حصولهم على حقهم في العلاج في ظروف جيدة، وفق ما يكفله لهم الدستور والمواثيق الدولية، على حد قول أحد النشطاء في هذه البلدة المهمّشة، التي كانت توجد تحت نفوذ عمالة تزنيت إلى غاية 2009، قبل أن يصنّفها التقسيم الترابي الجديد داخل تراب سيدي إفني...، لكن دون أن تكون لهذا التغيير الإداري أي قيمة مضافة للبلدة، خصوصا في ظل الجمود، الذي عرفته دينامية النخب المشرفة على تدبير الشأن العام المحلي.
 
وعموما، وحسب قناعات عدد من النشطاء، فهذا الركود التنموي، الذي تعرفه المنطقة، راجع إلى عدة أسباب، على رأسها ضعف الوعي السياسي لدى المنتخب المحلي، وعدم إلمامه بسبل وآليات تسيير شؤون المواطنين، إذ إن خطوة الترشح للانتخابات الجماعية بمير اللفت، كما هو الشأن، مع كامل الأسف، في جل مناطق المغرب العزيز... ليست مبنية لدى الأغلبية الساحقة على أسس المشاركة في التنمية، وتحسين ظروف عيش السكان، بل تحكمها ولاءات حزبية على مستوى الجهة، وفي أحيان أخرى تكون اعتباطية وغير خاضعة لأي رغبة في التغيير من طرف الداخلين غمار التدبير.
 
وفي ظل التغيير الجديد، الناتج عن الانتخابات الجماعية الأخيرة، والذي أتى بفريق جديد لتدبير الشأن المحلي، نتمنى أن يضع مصالح السكان أولوية أولوياته، من أجل أن تحظى مير اللفت بمستقبل زاهر، والتي تتوفر، في الواقع، على كافة الشروط الطبيعية، من مؤهلات سياحية ومناخ متاح للاستثمار وموقع متميز، فضلا عن سمعتها الجيدة على الصعيدين الوطني والدولي، وهي جميعها عوامل من شأنها المساهمة في الدفع بعجلة التنمية في هذه الجماعة الجميلة والعزيز على القلب، خاصة إذا تم الاعتماد على مقاربة تشاركية تدمج فيها كافة الفعاليات المجتمعية.
 
 
 
________________________________
كاتب رأي وإطار بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي