الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم
الفقيد حسن السوسي

الفقيد السي حسن السوسي.. مسار حافل لرجل استثنائي

 
محمد الهجابي
 
 
أمضيت وقتاً طويلاً لكي أستوعب حدث رحيل رفيقنا وصديقنا السي حسن السوسي. وإذا برحيل رفيقنا سي محمد بلمقدم يعضل كربي ويفدحه. وخلال هذه الفترة لم أقدر أن أقنع نفسي بحصول هذا الحدث الجلل. هاجرت الفايس. وبارحت نفسي. وطويت كشحي على ألمي. اليوم فقط بدا لي أن أكتب عن الفقيد حسن السوسي هذه الأسطر المتواضعة، حتى أشارك أسرته الفاضلة، وأقاسمكم أنتم رفيقاتي ورفاقي وصديقاتي وأصدقائي، العزاء والحداد. وأملي أن أفعل الشيء نفسه بالنسبة للعزيز السي محمد بلمقدم.
هذا جزء من حياة رجل، ويليه كلمة-شهادة في حقه كتبتها سنة 2012، ثم مقتطفات من رواية "بيضة العقر". لعل في ما أقدم ما يمنح صورة عن فقيدنا السي حسن كما تمثلتها منذ أوائل السبعينيات.
 
منذ بداية سبيعنيات القرن 20، تكرست أواصر المودة بيني وبين الفقيد السي حسن، ونحن فتيان بعد وعلى عتبة فترة الشباب. كنا ندرس معاً بالسلك الثاني الثانوي. بارحنا قصر السوق صوب مكناس. لم يكن لدى غالبيتنا غير التعليم الأصيل لنزايل مدينة صغيرة نحو مدينة كبيرة. يومئذ كنا نتوسل بالتعليم الأصيل سبيلاً نحو الانتقال من مكان حسبناه يضيق بأحلامنا الكبيرة إلى مكان آخر خلنا أنه قد يفتح لنا أفقاً جديداً. لم تكن مواد التفسير ولا الأصول ولا الفقه ولا الحديث تصمد أمام حركة العلوم الإنسانية التي باتت تعصف بنا نحن شباب السبعينات. كانت وسيلتنا، في ما نبتغيه، هو امتلاك علوم الإنسان والمجتمع. كتابات ماركس ومن سار سيره هي البغية والمطلب. كنا نظل نتبادل الكتب ونتسابق إلى مكتبات مكناس بسباتة وبني محمد وباب بريمة وزنقة دار سمن وقبة السوق وروامزين وسيدي عمر فحمرية ثم مكتبة "النطاق الثقافي" للاقتناء وللتعرف على الجديد؛ هذه الأخيرة عرفت احتكاكنا بباقي المناضلين التلاميذ وتفاعلنا معهم (تلاميذ ثانوية النهضة ومولاي يوسف ولالة مينة والغزالي ومولاي إسماعيل، أحتفظ باسم الخمالي والعبودي والطيب بلغازي وبنموسى... وهلم جراً) خارج، طبعاً، إطار مناضلي ثانويتنا، ثانوية عمر بن الخطاب.
كل مكتبات مكناس ارتدناها. كنا نبحث عن "حقيقة" أحوالنا نحن أبناء هذا الوطن، لم نكن نرغب في التفسير فقط، كان همنا، إلى ذلك، الإجابة عن سؤال: كيف نغير؟ السؤال ثقيل، ولا شك، لا تتحمله أكتافنا القصيرة وأجسادنا الضاوية التي أنهكتها الحاجة وقلة ذات اليد. حزب التحرر والاشتراكية، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم تنظيمات اليسار الجديد، فـ"النقابة الوطنية للتلاميذ" و"الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين"، إطارات غازلت نفوسنا وتصادت مع ميولاتنا باستمرار.
شاركنا في إضرابات السبعينيات وعشنا آثار منع "أوطم" سنة 1972 والسنة البيضاء وخرجنا إلى شوارع مكناس نحزم قبضات الأيدي عالياً أثناء الإضرابات العامة وخلال فاتح ماي. وسعينا داخل ثانويتنا إلى المساهمة في الدعاية والتحريض والتنظيم أيضاً. لم نكن نفتر ولا نكل. داخلية الثانوية التي جمعتنا صارت قفير نحل لتكوين المناضلين.
أذكر أن حسن تحمل المسؤولية بلجنة الداخلية. وكانت لنا نقاشات. وأتذكر جيداً يوم اختليت به لنتحادث في إمكانية التنظيم. تلاميذ من جيلنا ومن شعبتنا (أعويش والأعرابي وبوزكراوي وعبد اللاوي والعدناني.. وغيرهم من أبناء خنيفرة وتافيلالت شكلوا سماد هذه الحركية بقسمنا). طرائف ما زالت عالقة بذهني كان حسن السوسي مدارها. أسماء أساتذة داعبت سمعنا وقاربت محيطنا (العزاوي وعلوش وصدوق ولخصاصي والمنيعي والحجام...).
وما عتم أن تفرقت بنا السبل السياسية بجامعة محمد بن عبد الله ليختار كل منا حيزاً حزبياً يحضنه ويأويه. حيزي أنا بانتسابي إلى حزب التقدم والاشتراكية (صحبة الأعرابي ثم أعويش) لاحقاً إلى غاية 1977، وحيز الفقيد حسن، بارتباطه، خلال النصف الثاني لعقد السبعينيات، بحركة 23 مارس. كنا نختلف ولم نكن نتعادى. ظل الاحترام سنّة سائدة بيننا إلى أن جمعنا الإطار الواحد والتجربة المشتركة ضمن منظمة 23 مارس، عقب التحاق ثلة من مناضلي حزب التقدم بفاس (باها وبرغيغش وأزرار وبوراس... وآخرون). ومعاً كافحنا، إلى جانب رفاق لنا (زايدية والصالحي...)، بمكتب تعاضدية كلية الآداب (1978-1979)، ثم بالمجلس الإداري (مؤتمر 16) لأوطم سنة 1979 (رفقة محسن وخديجة والأطلسي)، بعد رفع المنع عن أنشطة المنظمة الطلابية نهاية سنة 1978.
وكنا جئنا مكناس من قصر السوق (الرشيدية). بداياتنا كانت بهذه المدينة الصغيرة وبالتحديد بثانوية سجلماسة. تمريننا كان ضد المدير محمد الرضوي "لقرع" صاحب الطربوش الأحمر بقزعته اللافتة وضد سياسة التعليم الحاصلة. ساعتها كنا ننشد شعارات بالفرنسية في الغالب، حدث ذلك داخل أسوار الثانوية مثلما جرى خارجها بشوارع المدينة وبأزقتها. وطالما حملنا نعش المدير إلى "مقبرة الحدب". لم نتكافح أنا وحسن بالثانوية. علاقتي بـ"الداخليون" لم تكن بحجم علاقتي بـ"الخارجيون" إن صح التصنيف. بيد أنه من المحقق أن الساحة جمعتنا. كانت أحداث 1965، ولاسيما وقائع 1967 وما تلى ذلك من محاولتي انقلاب عسكري، فيما نحن نضع الخطو بمدينة مكناس، فحركة 3 مارس 1973، قد جعلت تبصم على ذاكرتنا بما لا يتصور، وتحقن عضلنا بماء التمرد ودم الانتفاضة. تتبعنا هذه الوقائع محاورين إياها كما لو كانت تجري قدامنا وبحذائنا. ثم إن مفاهيم ومصطلحات راحت تناوشنا وتجادل تفكيرنا على ما كان عليه هذا التفكير من طراوة وبساطة وربما من سذاجة: "البلانكية"، "الأناركية"، "المرض اليساري الطفولي"، "العدمية".. مقابل "اللينينة" و"الماركسية" و"التروتكسية" و"الماوية" و"الشيوعية"... مفاهيم رحنا نروز الرأي فيها ونقلب صفقيها عسانا لا نخطئ المطمح ونجانب الصواب. كنا من المولعين بنقاشات "النطاق الثقافي" وبأنشطة "جمعية البعث الثقافي" وبأندية مكناس السينمائية (سينما أ ب س وأمبير وكاميرا) وبالعروض المسرحية (الفرنسية منها بالأساس)، التي كانت تشغل ركح سينما الريف بين وقت لآخر. ثم تأكدت علائقنا، ونحن شباب، حينما التحقنا بكلية الآداب بفاس منحازين إلى شعب العلوم الإنسانية من فلسفة وعلم اجتماع عوض كلية الشريعة، التي كانت في مقام الافتراض بحكم ما كان يلقن لنا بالثانوية. لم نلج كلية الشريعة (حتى وإن وقفنا على شعارات بالحرم الجامعي تشيد بكفاحية طلبة هذه الكلية، من قبيل "كلية الشريعة دائماً في الطليعة"!) التي لم تخل، هي بدورها، من مناضلين "يساريون". وكان حسن السوسي حافظ قرآن ومجوداً له، فصيح اللسان درباً به.
فاس ظهر المهراز وفاس الطالعة وبوجلود والملاح وبن دباب والدكارات وحي زازا وسيدي إبراهيم والأطلس. فاس ساحة "هوشي مينه" ورحاب الجامعة؛ هي فضاءات عرفت تجادلنا وتلاقينا، تفارقنا وتحاببنا.
ومن حظ حسن ومن حظي أنا أن لحظة تلاقينا الفكري والسياسي كانت بالسلاسة المنتهية ما دام نسغها هو تلكم المراجعة العميقة والقوية الفكرية والسياسية لتجربة المنظمة التي باشرتها منذ الندوة الوطنية لصيف 1975 وما فتئت أن توجت في يوليوز من سنة 1978 بصدور مقررات المؤتمر الأول للمنظمة وباستفتاء داخلي متميز حسم في الكثير من مواقفها في المسألة الوطنية وفي المسألة الديمقراطية.
وكان مؤتمر 1978 صادق على مقرر اللجنة المركزية القاضي بـ"ضرورة إنضاج الجانب السياسي للإسراع باستغلال إمكانيات الدعاية الشرعية" داخل الوطن، "ومن أجل إحكام بناء نواة سرية في الداخل تحيط بها عناصر وإطارات شبه علنية أو علنية تستغل الهامش المسموح به في الظرف الراهن"...
وفي فبراير سنة 1979 ستقرر الدورة الكاملة للجنة المركزية "إلغاء اسم (أنصار 23 مارس) والعمل جماهيريا تحت اسم "الطلبة الديموقراطيون".. وتوصي م.س (المكتب السياسي) بحث مسألة التنظيم الموازي في القطاع الطلابي".
وفي فبراير سنة 1980، ستقرر اللجنة المركزية أن "الحاجة قد أصبحت ماسة لطرح هيكلة الطلبة الديموقراطيين (بوصفه) صيغة جماهيرية شبه علنية لعمل منظمة (23 مارس) داخل إطار جماهيري علني (أوطم).. واعتباراً لضرورة تطوير تيارنا الطلابي وتصليبه وتوحيده، (فإنه من المهام المركزية الملحة) إصدار نشرة جماهيرية علنية للطلبة الديموقراطيين بالداخل". وحددت المنظمة لهذا الغرض لجنة ثلاثية أو خماسية لإصدار نشرة الطلبة الديموقراطيين المركزية بالداخل. ولهذه الغاية اجتمع بنا (السوسي ومحسن وبنيوب وأنا) فقيدنا أحمد بنعزوز لترتيب شروط هذا الإصدار.
لا شيء كان يحدث بالصدفة. لا عفوية في هذه المحطات. التواجد بمكاتب التعاضديات ومكاتب الجمعيات بقطاع الطلبة، تشكيل تيار طلابي "الطلبة الديموقراطيون"، وإصدار نشرة طلابية "الشباب الديموقراطي" (التي ظلت تطبع بواسطة حروف الرصاص "اللينو" إلى غاية العدد 6)، التي سرعان ما انتقلت إلى مجلة دورية (الموضوع نفسه هم إصدار جريدة "أنوال") هي مقررات مركزية تم سوغها وتنفيذها وصارت واقعاً حاصلاً.
كل هذه المراحل من التجربة ساهم فيها الفقيد حسن السوسي باقتدار وألمعية. كنا بصدد التأسيس لمرحلة جديدة في حياة منظمة 23 مارس. وكنا أشد حماسة وعنفواناً. سافرت مع الرفيق في بلورة بعض هذه المهمات إلى وجدة وبركان والدارالبيضاء والرباط، عدا العمل بفاس التي كانت لنا الحضن الرؤوم. ورفقة حسن ومحسن عيوش وأحمد شوقي بنيوب، ثم لاحقاً رفقة عبد الوهاب الصافي، كنا لا نألو جهداً في سبيل مواصلة الرفع من مستوى المجلة بموازاة إصدار مجلات حائطية غطت نقاط تواجدنا الجامعي: "النضال الديمقراطي" بفاس و"الحوار الديمقراطي" بوجدة و"العمل الديمقراطي" بمراكش و"المنبر الديمقراطي" بالبيضاء و"الإشعاع الديمقراطي" بمونبوليي و"الأفق الديمقراطي" (كلية الطب) بالرباط... وهلم جراً. أعمال كان الغرض منها تنمية حسنا الدعائي والتثقيفي وتوسيع "الملمح الديمقراطي" على أكبر نطاق ممكن.
لقاءات جمعتنا نحن ثلة من الرفاق تحت إشراف الفقيد أحمد بنعزوز والمصطفى بوعزيز وحميمة برادة ومحمد الحبيب طالب (بعد عودة المنفيين في مارس 1980). أمكنة وفضاءات عدة ودور سكنى تداولت لقاءاتنا بوجدة والرباط وفاس وسلا والبيضاء.. كانت مرحلة إعادة تأسيس لا تنتهي. كتب حسن في عمود "على الطريق" من العدد الثالث من "الشباب الديمقراطي" (1981): "... "محدلتنا" لا زالت تغذ السير، تدك النتوءات بعناد نضالي.. الخطوات تترى.. معالم الطريق تتوضح.. التجربة تنمو تتنوع والعزيمة يتصلب عودها...". وكتب في العمود نفسه في العدد الأول سنة 1981: "عن الطوق يشب فتيان نهلوا من ينابيع معاناة شعبنا رحيق الصمود، فأرسوا لصرح التصدي ركائز.. تقدموا صوب الطموح الشامخ.. جسر التضحيات عبروا.. وبإصرار المناضلين اتحدوا... جبل المثبطات ناوشوا.. فتألقت "الشباب" مفجرة زخم الطاقات رافدا لنهر النضال الطبقي ضد إخماد الصوت.. ضد الحيف".
لم يحظ حسن بفرصة مواكبة عملية إصدار العدد الجديد من "الشباب الديمقراطي"، ففي دجنبر سنة 1981 جرى اعتقال الفقيد ضمن حملة اعتقالات مست أعضاء اللجنة التنفيذية المتبقين من المؤتمر 17 لأوطم (حسن ومحسن عيوش ومسعود بوعيش) ومناضلين بمختلف المواقع الجامعية. وسبق اعتقال هؤلاء المناضلين شن السلطات لحملة ترهيب واعتقال ومحاكمات في ظل أجواء إضراب 20 يونيو 1981. اعتقال حسن يوم الجمعة 4 دجنبر 1981 على الساعة الثانية عشر ظهرا من مطبعة التومي بالرباط حيث كان العمل جارياً لإخراج العدد الرابع من "الشباب الديمقراطي". وكان قد اعتقل محسن (المدير المسؤول لمجلة "الشباب الديمقراطي") ليلة يوم الأربعاء 2/12/ 1981 من بيته. أمضى فترة السجن بحبس لعلو فحبس الخميسات. زرته بلعلو رفقة بنيوب طوراً وبمعية لحبيب نظيف طوراً آخر، ولم أزره بالخميسات. مثلما كنت أزور رفيقتنا المعتقلة حكيمة الناجي. وقتها كنت أمضي فترة الخدمة المدنية بالرباط ثم لاحقاً بسيدي سليمان. وعندما زايل حسن السجن (دجنبر 1982) كان لنا موعد بسكنى بنيوب ونظيف بشارع القبيبات للاحتفاء والتجديد. ثم التحق حسن بجريدة أنوال ليصبح أحد أعمدتها الأساس ومختصاً في الشؤون العربية والقومية ولاسيما منها قضية فلسطين. وأحسب أنه صار، بحكم هذا "الاختصاص"، ملماً بأكبر تفاصيل القضية.
بعد فترة قضاها بشقة زنقة سبو (حي أكدال) اكترى شقة بزنقة غانا على مقربة من المقاطعة الرابعة وساحة روسيا، وبها استوى مع زوجته الصديقة العزيزة رقية. وكما بزنقة سبو رحنا نمضي أوقاتاً حميمة بزنقة غانا، ثم نبارح نحو مهامنا وأشغالنا. بهذه الشقة الأخيرة، التي جئناها من شقة قريبة كان يتقاسمها جليل وفكري في ما أذكر، قضى رفقتنا (أنا وبنيوب) الفقيد عبد السلام المودن أول ليلة له بالرباط بعد إطلاق سراحه سنة 1989. أذكر تفاصيل عن هذه الليلة المشهودة.
وفي أفق التحضير لتأسيس "حركة الشبيبة الديمقراطية"، ألحقت أنا بلجنة تأسيسها إلى جانب حسن وشوقي. أسندت لحسن ولشوقي بنيوب ولي شخصياً مهمات. وكان محسن عيوش رهن الحبس بالبيضاء في أعقاب وقائع سنة 1984. بعد افتراق دام وقتاً، انشغل فيه بنيوب بمهام حزبية بالقنيطرة وبعمله كمحام، فيما استغرقتني أنا مهام حزبية بالقنيطرة ومناطق بالغرب بينما استوعبت الجريدة حسن، عدنا من جديد إلى لقاءات مكثفة أفقها تشكيل تنظيم شبيبي. كانت جملة وثائق قد أعدت لهذا الغرض من قبل رفاق بمركش وفاس والبيضاء. كانت مهمتنا نحن بالأحرى تنظيمية وتأطيرية، ومن ذلك صياغة جملة توصيات وملتمسات وكلمات تقديم واختتام. وليلة انعقاد الندوة الوطنية التأسيسية (أيام 6 و7 و8 سبتمبر 1985) كنا نرسي، بشقة فقيدنا الرفيق حسين كوار بالبيضاء، آخر اللمسات على أوراقنا وبياناتنا. وفي الليلة الموالية، وإذ كنا نتقاسم غرفة بالمركز التربوي درب غلف، وكنا بصدد استكمال ما أوكل لنا من مهمات، جرى استدعاء الرفيقين حسن وشوقي على التوالي وإجراء تحقيق معهما من طرف ثلاثة أعضاء من قيادة المنظمة (الكتابة الوطنية) بحجة أن شيئاً ما يجري خارج الضوابط التنظيمية. الاستدعاء هذا استثناني أنا في وقت كنت أنتظر فيه دوري؟! أما حقيقة ما جرى فلا علم لي بها شخصياً، والأمر نفسه بالنسبة لرفيقي. اللهم من غلو ووساوس وسوء تقدير. أذكر كيف عاد حسن من هذا "التحقيق". أذكر ملامح وجهه. كان الغضب يعترش كل القسمات. وأذكر كيف بكى شوقي بحرقة. تلك الليلة لا يمكن أن تنسى. كاد حدث تلك الليلة أن يعصف بتضحياتنا وجهدنا. على أن آثار الليلة تلك الدرامكوميدية حملها معه حسن طويلاً، وبالحجم نفسه استقرت في دخيلة شوقي، ولربما لم تبارحها قط. ليلة زوبعت الكيان والروح معاً. ومع ذلك ألقى حسن كلمة بالنيابة عن رفيقنا المغيب قسراً محسن عيوش بسينما "الكواكب" مثلما أشرف شوقي، من جهته، على عمليات تنظيمية وإلقاء كلمة باسم اللجنة التحضيرية. نجحت الندوة وانتخب حسن السوسي كاتباً عاماً للحركة رفقة أ. طليمات وع. أبوناي والفقيدة ح. فنيدي وم. بنحمو وع. الرامي وأ. ش. بنيوب وم. مفتاح وأ. جهيد وأ. وزين وم. الهجابي. وفي كلمته بالمناسبة، وقد احتفظ بهدوئه ورباطة جأشه قال: "أستسمح الرفاق لأني أكاد أقول إن بعض الرفاق ما يزالون يعتقدون أن في بعض الكهول [وقتها كان سن حسن 33 سنة] بقايا شباب يصرون على اعتصارها اعتصاراً، لكن لا يهم لأننا جميعاً نعتمد على هذه الثلة من المناضلين الشباب الذين هم أمامي والذين أقرأ في عيونهم الحيوية والأمل والتفاؤل...".
قد تكون هذه المسؤولية الجديدة هي محطته السادسة من محطات رئيسة تخللت مسار الفقيد النضالي، أي بعد محطة انتسابه إلى حركة 23 مارس وانتخابه باللجنة التنفيذية لأوطم وعضويته بهيئة تحرير مجلة "الشباب الديموقراطي"، ثم اعتقاله سنة 1981، فالتحاقه بطاقم جريدة "أنوال"، وستكون المحطة السابعة من هذا المسار الحافل يوم انتخب عضواً باللجنة المركزية لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي على إثر مؤتمرها الأول المنعقد بالمعرض الدولي بالدارالبيضاء أيام 27/28/29 دجنبر 1986.
وفي سنة 1988، سيغادر الفقيد المغرب في اتجاه فرنسا. الذين ارتبطوا بحسن عن قرب وخادنوه سيحدسون، ولا شك، أن الذي اضطر الرجل إلى شد الرحال صوب ديار الغربة هو عوامل عدة. لعل من بينها الصعوبات التي راح يلاقيها في إعالة أسرته بمدينة من مثل وزن مدينة الرباط، وقد أمسى زوجاً وأباً. ثم تلك "التحولات" (؟!) التي شهدتها هيئة تحرير "أنوال" على مستوى الإدارة والتحرير، فرغبة دفينة في استكمال دراسته الجامعية العليا -التي توقفت قسراً- وبالتالي الانتماء إلى جسم المدرسين بالجامعات المغربية... ولا يمكن للمرء سوى أن يتفهم دواعي هذا السفر "الفجائي" للفقيد.
 
في رسالة جواب له عن رسالة لي إليه، سيكتب حسن بتاريخ 19 نونبر 1989:
"العزيز محمد:
قد لا تصدق ما سأقوله لك عبر هذه السطور. أنا كذلك لم أكن أتخيله قبل أن يحدث والحال أن الأمر قد وقع ولابد لي أن أبين..
قضيت يوم السبت 18 نونبر عند أصدقاء أو بالأصح مع أصدقاء بعيداً عن باريس.. لابد أنك لا زلت تذكر "السلايلي"، فهو أحد هؤلاء الأصدقاء، ألح علي أن أبيت الليلة معه لكن لم أطاوعه رغم كثرة الإلحاح.. كان الليل متأخراً ومع ذلك قررت أن أعود إلى البيت.. افترقنا حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف ولم أدخل إلى البيت إلا حوالي الواحدة إلا عشر دقائق (...)
المهم وجدت رسالتك على سريري.. أحسست بفرحة لا أستطيع الآن وصفها، لكن لما بدأت في قراءتها لم أتمالك نفسي فبكيت منذ العبارات الأولى في رسالتك. لماذا بكيت؟ لست أدري! هذه هي الواقعة..
أكتب إليك مباشرة بعد قراءة الرسالة لأن أي إبطاء قد يفقدني القدرة على الكتابة بهذه البساطة وبهذا الوضوح. لك أن تعتب علي أنت لا أن تعتذر لي فقد كتبت لي خارج الرسميات لكني لم أرد عليك. أتدري لماذا؟ لأني كل مرة أريد أن أكتب إليك فيها أحس كأني مقدم على مغامرة أخرى.. صدقني فمغامرتي الأولى أني تركت أعمق أعماقي هناك وتغربت حين أحسست أنه لابد من الغربة لضمان الاستمرار. أن أكتب إليك أنت بالضبط بما تمثله عندي من بدايات السبعينيات الأولى وعبر كل مراحل الحياة والمعاناة يعني أن أعدك أني سأفوز.. ذلك ما كنت أخافه.. أشعر بثقل الوعود وخاصة وعود الأصدقاء (...)
أعتقد أن الخطوة الأولى قد أنجزت الآن.. لقد بدأت المسيرة (...)
لدي الكثير مما أريد أن أبوح لك به لكني أحس أن الكتابة قد لا تفي بالغرض وأعرف أنك أنت أيضا تحس ذات الإحساس (...) لابد أن أبوح لك في الأخير أني لست أدري كيف سأواجه سميح [الابن البكر للفقيد] ولا أدري كيف سيواجهني.. لقد دخل شهره التاسع.. دون أن يشعر حقا أن له أبا.. إن هذا الإحساس يؤلمني كثيرا. لكن ما العمل؟ وعلى كل فلا أعتقد أن الغربة ستطول كثيراً.. لا بد من الأمل؟؟؟".
 
رسالة الفقيد الحميمة هاته تشي بالكثير. لم نكن نني نتذاكر ونتسار ونتناجى. أحياناً كنا نوصل النهار بالليل. مثنى (أنا وهو) أوثلاثتنا (نحن الاثنان وشوقي). أموراً عديدة قلبناها وتداولنا فيها. قد نتفق وقد نختلف. كل ذلك لم يزد روابطنا إلا متانة ولم يفسد المودة التي لازمت علائقنا قط. كان حسن شديد الحساسية بقدر ما كان مصراً على الوفاء بالتزاماته. يحلو له أن يضحك عالياً مثلما يطيب له أن يغضب. لكن الرجل يجد طريقه سهلاً إلى القلوب. كثير المطالعة لا يفكر سوى في كيف ينهي كتاباً لينتقل إلى آخر. يجمع بين قراءات متعددة في الآداب من شعر ورواية ثم في الفكر والتاريخ. وأحسب أن مساره كله لم يخل من مشاريع كتابة ومؤلفات. أصدر ديواني شعر سنة 2017، دار سليكي بطنجة ("لحن الحضور" و"روح الياسمين") وأعرف أن لديه مسودات تنتظر الطباعة والنشر، فهل سترى هذه المسودات النور قريباً؟ أطرح السؤال وأنتظر.
في زيارة لي إلى باريس سنة 2009 هاتفته لنهيء للقاء فباغتني بخبر وجوده بالمشفى بلندن. لم يستطع قلبه أن يتحمل كثيراً فبات يعطل فيه، من حين لآخر، نبض تلك الحيوية التي عهدناها في الرجل. قبل سنوات قليلة زرته بكلينيك ابن سينا لوعكة صحية حادة ألمت به. المرض غير العديد من عاداته. وتفهمناها. ثم التقينا على فترات. جلت وإياه بشوارع الرباط وتحادثنا طويلاً. ولجنا مسرح محمد الخامس. دخلنا مقاه ومطاعم. وقضينا ليلة بشقة بأكدال رفقة صديقنا حميد باها. من حين إلى آخر كنا نتخابر. كان الرجل يتمنى الاستقرار بالمغرب. كان منهكاً، لكنه مصر، في الآن ذاته، على مواصلة العطاء. كان يعد بالكثير. كان يحلم بإنجاز مشاريع. اجتهد وحاول. ومع أن قلبه لم يكن يطاوع، فإنه لم يستسلم. كان يرفض الاستسلام. قلبه المتعب هذا لم يصمد، في نهاية المطاف، أمام الجائحة فعجلت برحيله من حيث لم نكن نحتسب حجم معاناته وكلفتها. وكان حسن على موعد مع المنطقة التي ولد بها وشهدت نمو عوده. من كان منا ينتظر الخبر الصاعقة هذا؟ كنت تواعدت وإياه بزيارتي إلى القنيطرة. كنت أرغب في القيام بجولة معه إلى شمال البلاد. ثم تواعدنا على لقاء بمارتيل لدى رفيقنا حميد باها.
أبكاني رحيل حسن. أوجعني وآلمني وأبكاني.
لترقد روح فقيدنا حسن السوسي بسلام، وتعازي الحارة إلى أسرته الصغيرة والكبيرة وفي مقدمتهم العزيزة رقية وأبنائه وإلى كافة الرفيقات والرفاق وإلى جميع أصدقائه.
القنيطرة، في 8 نونبر 2020
 
من اجتماع أول مكتب وطني لحركة الشبيبة الديمقراطية