الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

نبيلة منيب.. فوز انتخابي مستحق لسيدة اليسار المغربي والصوت الأمين لآمال المغاربة

 
بمجرد الإعلان عن نتيجة فوزها الانتخابي بعضوية مجلس النواب، كان أول رد فعلها هو: شكرا، وتعهّدت أمام الجميع لتكون "دائما، صوتا، ليس فقط للجهة التي انتخبتني، بل لكل المظلومين والمقهورين أينما كانوا"...
 
إنها نبيلة منيب، سيدة اليسار المغربي، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، وأول سيدة تتزعم حزبا سياسيا في مشهد حزبي مغربي يضم أكثر من 30 حزبا بأمناء عامين ذكور، فضلا عن سيادة عقلية ذكورية متخلّفة، حتى لدى بعض مكوّنات الاشتراكي الموحد السابقة، وفي مقدمتهم المنشق المدعو محمد الساسي، أحد الذين صنعتهم أجهزة إدريس البصري، خلال نهاية تسعينيات القرن المنصرم، لذلك عمل هذا المندس البئيس على قيادة حملة شعواء ضد نبيلة منيب، تنفيذا لأوامر أسياده، فغرق هو في مزبلة العمالة والارتزاق، وبقيت نبيلة صامدة وشامخة أبدا...
 
في عام 2012، تم انتخاب نبيلة منيب أمينة عامة للحزب، وفي 2018، جدد الحزب ثقته فيها لولاية ثانية، إذ حظيت بتأييد 80 في المائة، بعد أن قدمت برنامجها لتسيير الحزب، في المرحلة المقبلة، بناء على ثلاثة أسس أساسية: "رص صفوف اليسار المغربي"، و"التصدي للاستبداد"، و"استعادة دور اليسار في المجتمع"... فمن تكون أيقونة اليسار؟
 
نبيلة منيب من مواليد مدينة الدارالبيضاء، في عيد الحب، يوم 14 فبراير 1960، بين ثمانية إخوة. وهي أم لثلاثة أبناء...
 
قضت نبيلة منيب مسارها الدراسي بين مجموعة من المدارس داخل المغرب وخارجه، بحكم الوظيفة الدبلوماسية لوالدها، الذي عمل لفترة في الجزائر، حيث نالت شهادة البكالوريا، لتعود إلى المغرب، حيث ستتابع دراستها العليا، في تخصص البيولوجيا والجيولوجيا في جامعة محمد الخامس في الرباط، ولتحصل على شهادة الدكتوراه في علم الغدد من جامعة مونوبولييه الفرنسية، لتشغل، في ما بعد وإلى اليوم، منصب أستاذة باحثة في علم الهرمونات بكلية الطب بجامعة الحسن الثاني في الدارالبيضاء...
 
نبيلة منيب لم تقطر على  السياسة من السقف، ولا حلّت بالعمل الحزبي بمظلة، أو بالزبونية و"التلحميس"، كما عمل، مثلا، المنشق محمد الساسي، الذي كان "سخّارْ" للقيادات الاتحادية لتبويئه مواقع في أجهزة التنظيم، وإنما كانت مناضلة بارزة في منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، من خلال فصيل الطلبة الديمقراطيين، الجناح الطلابي آنذاك لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي... وواصلت النضال في صفوف منظمة العمل عند عودتها إلى المغرب، حيث ستخوض أول تجربة انتخابية سنة 1997، ويحكي رئيس تحرير جريدة "المنظمة"، آنذاك، الذي واكب معها الحملة الانتخابية، أن نبيلة منيب بصمت على حملة غير مسبوقة، في تحركاتها واتصالاتها وتواصلها مع الناخبين، بل وقادت الكثير من لحظات حملتها الانتخابية بمسيرات نضالية مشهودة، في الدروب والأزقة بالدارالبيضاء، وفي شرح ماذا تريد، ومن يكون اليسار، وما هي المبادئ والقيم في تمثيل الناخبين، وفي الدفاع عن عموم المواطنين، وكان صوتها يجلجل، منذ ذلك الوقت، بمطالب الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، حتى أن الناس كانوا ينضمّون إليها وهم يهتفون: "الأمل الأمل.. منظمة العمل"...
 
وبهذه الروح وبهذا الأفق، انخرطت نبيلة منيب، بقوة وشموخ، في الحراك الشعبي، الذي عرفه المغرب سنة 2011، بالتزامن مع ما سُمي "ثورات الربيع العربي"، كما كانت حاضرة بقوة عبر اللجنة الوطنية لدعم الحراك، والتي كانت تضم هيئات سياسية مختلفة.
 
وفي عام 2015، قادت منيب وفدا يضم قادة أحزاب مغربية إلى السويد من أجل إقناع الحكومة السويدية بالعدول عن الاعتراف بالبوليساريو، وبمغربية أقاليم الصحراء، حيث حققت نتائج مهمة جدا، يعترف بها لها الصديق والخصم والعدو...
 
وعقب انتخابات 2016، وللمرة الثانية على التوالي منذ عام 2011، يقود حزب العدالة والتنمية الحكومة، وخلال الفترة الأولى للبحث عن تشكيلها، عمد عبد الإله بنكيران، الأمين العام للبيجيدي، إلى تنظيم لقاءات مع رؤساء الأحزاب المغربية، لكن نبيلة منيب، التي لديها انتقادات شديدة للإسلاميين، رفضت لقاء بنكيران، وكان هذا الموقف أحد العوامل، التي دعت المنشق اليميني محمد الساسي إلى الحقد على منيب، فاضطر أن يبلع ريقه، الذي كان يسيل من أجل أن يجلس مع الزعيم الإسلاموي، الذي كان الساسي، بين الحين والآخر، يرسل إليه إشارات غزل وضيعة ومنحطة...
 
من الأمور، كذلك، التي جعلت المنشق بالأوامر محمد الساسي وشرذمته يحقدون على نبيلة منيب، هي أنه لأول مرة، أضحى للحزب الاشتراكي الموحد ولفدرالية اليسار الديمقراطي صوت وإشعاع قويان، فرضتهما نبيلة منيب بمسارها النضالي الحافل في المشهد السياسي المغربي، خصوصا بعد الولاية الباهتة والضعيفة والمنكسرة للمدعو محمد مجاهد، الذي يمارس السياسة بحقد رخيص، وبانتهازية المهرول الباحث عن الامتيازات والريع، فجاءت ولاية نبيلة منيب ليكتشف النشطاء المدنيون والحقوقيون والفاعلون السياسيون الفرق الشاسع، بل والمهول، بين سياسي بئيس حقير وحقود، وبين مناضلة كبيرة جريئة وشجاعة ومؤثّرة...
 
وجود نبيلة منيب على رأس الحزب الاشتراكي الموحد، فضلا عن أفقه السياسي، كان يحمل رمزية قوية على تطورات الحركة النسائية المغربية، من أجل تمكين المرأة من المشاركة بكثافة في المجال السياسي، ومن الولوج إلى مواقع القرار، وكذا مواجهة النزعة الذكورية المستمكنة في "الوعي الشقي" للعديد من اليساريين المزعومين، مثل الساسي ومجاهد وقبيلتهما، الذين يرطنون بشعارات المناصفة والمساواة، وفي الواقع يمارسون النقيض بكثير من الانحطاط والتخلف.
 
وسواء على صعيد النضال السياسي أو النسائي، تقول نبيلة منيب، بصراحتها المعروفة عنها: "أعتقد أنني حاولت تحمل مسؤوليتي الكاملة قدر الإمكان خلال فترتي ولايتي، لقد حققت إنجازات وربما فشلت في أخرى، غير أنني حرصت على ترك بصمة إيجابية خلال هاته التجربة، ليس فقط لدى مناضلي الحزب الاشتراكي الموحد أو فيدرالية اليسار الديمقراطي، ولكن لدى كافة النساء المشاركات في المجال السياسي"...
 
وتؤكد نبيلة منيب أن مشكلة العقليات النكوصية لا تزال تعيق تحرر المرأة في المغرب، وهو ما يتعين تغييره، لاسيما من خلال التعليم وكافة وسائل الاتصال السمعي-البصري... وطبعا إضافة إلى العمل الحزبي، إذ سيصبح الحزب الاشتراكي الموحد، مع تحرّره من المنشقين "عبيدي المأمور"، في وضعية انطلاق حقيقية، تنظيميا وسياسيا، ويمكن أن يخلق المفاجأة في الاستحقاقات المقبلة...
 
بالنسبة لنبيلة منيب، فإن "نضال المرأة هو كفاح طويل الأمد"، مشددة على أن أكثر المحطات البارزة في حياتها السياسية هي تلك التي قضتها مع الشباب في مدارسهم وجامعاتهم، وأن هؤلاء الشباب هم الذين يجب أن يتولّوا المسؤولية في المستقبل.
 
تعتبر نبيلة منيب نفسها محظوظة، لأن "زوجي ساعدني، إذ كان أكبر داعم لي وأحد العوامل الرئيسية في نجاحي. لقد تعلمنا أن نكون ديمقراطيين حتى داخل المنزل، من خلال توزيع المهام ومساعدة بعضنا البعض، لأن المجتمع يقوم على كاهلي الرجل والمرأة"، تقول سيدة اليسار المغربي، عن قناعة وليس مجرد شعار فارغ كما هو الحال عند شرذمة الساسي ومن معه عندما يرطنون بمواقف تحررية ويمارسون نقيضها على أرض الواقع...
 
هناك كثيرون مثل هؤلاء المنشقين ممن يحقدون على نبيلة منيب دون أن يعرفوها حق المعرفة، ولأن حقدهم يعمي البصر والبصيرة، فإنهم يكادون ينتحرون سياسيا حينما يجدون أمينة عامة تحقق نجاحا باهرا في تقديم وجه قوي ليسار مغاير قريب وملتصق بالناس، بفضل أسلوبها الخطابي المتميز، الذي يكتسي لهجة نقدية لاذعة تجاه الأوضاع السائدة في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبفضل ديناميتها وحركيتها على صعيد الفعاليات المناهضة للعولمة والنيوليبرالية، والدفاع عن حقوق المرأة، والتواصل مع الجماهير في مختلف مناطق المغرب العميق...
 
ولذلك، ورغم إنزال شخصيات سياسية وازنة، ورغم ضربات الغدر الدنيئة من شرذمة المنشقين، ورغم حملاتهم الدنيئة، التي كادت أن "تطيّر" عقل المنشق السفيه محمد الساسي، حتى تحوّل إلى مشعوذ يحكي "الخرايف" في تهجّمه البليد والمتخلّف على نبيلة منيب، ويمكن العودة إلى الحوار مع موقع "فبرايركم"، لمن يريد أن يتمسخر على الساسي وهو "يكشكش"، ولم يبق إلا أن يخرج ريقه من فمه شظايا، حتى ليفكر أي مُشاهِد للحوار أن المُحاوَر يتجه للانتحار... رغم كل ذلك، حققت نبيلة منيب فوزا مستحقا سيكون له شأن وتاريخ داخل مجلس النواب، فضلا عن أنها أضحت أول أمينة عامة لحزب مغربي يدخل قبّة البرلمان...
 
وفي المحصلة، وكما يقول مراقبون موضوعيون، فإن نبيلة منيب، بالموازاة مع حركيتها السياسية ومواقفها التي تعكس صرامة وحدة سجالية، شكلت ظاهرة جديدة في ساحة اليسار المغربي، حيث كسّرت الصورة النمطية للمناضلة ذات المظهر الشعبي البسيط، إذ كانت ومازالت، بأناقتها اللافتة، تجسد صورة المناضلة العنيدة، المعتزة بهويتها اليسارية، التي تتصدر مبادرات التصدي للفساد والاستبداد، ومواجهة المافيات، التي راكمت ثروات هائلة بفعل الاحتكار والريع والإفلات من العقاب، وهذا ما يُغضب المنشقين، لأنهم انتهازيون يخونون الشعب ويضعون أيديهم في أيدي هذه المافيات للدفاع عنهم في مواجهة الأغلبية الساحقة من المغاربة، التي قاطعت هذه المافيات، ما يجعل كل مراقب موضوعي يطرح سؤالا قويا وجارحا على المنشقين: ما هو الثمن الذي قبضتموه من المفسدين الاستغلاليين للدفاع عنهم ومواجهة المغاربة ومحاولة ضرب نبيلة منيب؟

مهما كان الثمن، الفاسدون مصيرهم مزبلة التاريخ، فيما أغلبية الشعب المغربي، وضمنهم نبيلة منيب، لن يسقطوا، سيبقون شامخين، ومستمرين في النضال من أجل "دمقرطة الدولة والمجتمع"...