الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

حميد منسوم يكتب: محمد الحبيب طالب.. أيقونة يسارية بامتلاء وطني واستقامة سياسية

 
حميد منسوم
 
 
"في حياتنا اناس يدخلون إلى قلوبنا بدون استئذان فنغلق الأبواب خلفهم حتى لا يخرجوا أبدا"
 
أخاطبك أيها الجالس على عرش قلبي، بعد أن وقّعت لك شيك محبة دائمة على نصاعة فؤادي.
 
أخاطبك أيها المعجون باللطف والمتدفق بالطيبوبة إلى حد الشطط.
 
أخاطبك لأنك -وخلال جلساتنا- كنت تحضنني بقلبك قبل ذراعيك، شاهرا ابتسامتك بحبور طفولي يربو عن 70 سنة قيد الاشتعال.
 
أخاطبك بحكم انتمائك لجيل ذهبي لا يتكرر، كان يستحم تحت شلال الرفض، ويحلم بأصابع تلامس النجوم، ويرغب في تحويل العالم إلى زر مبرمج على إرادته، انطلاقا من صدق نضالي وشغف وطني، رغم محصول الألم ورصيد الفواجع الذي خلفته تلك الملحمة المكتوبة بحبر إنساني موجع.
 
أخاطبك -وقد شاخ جسدك دون أن تتجعد عقلانيتك- لأنني تعلمت في ورشتك أبجديات الواقعية السياسية، حيث الطموحات لا تعلو فوق سقف الإمكانات والإكراهات.
 
أخاطبك لأن وعيك بثقل تأخرنا التاريخي، وإيمانك بالفعل التراكمي جعلك تفكر بألم وتكتب بأمل محوّلا أحلامنا المجهضة أو التي أجهضت إلى مبادرات مستأنفة...
 
مادامت السياسة -باعتبارها عشقا وطنيا- تحتاج إلى نفس ماراطوني. أخاطبك لأنك علمتني كيف أكتب الوطن بالنجوم على سبورة الليل. وطن أريد له أن يكتب جزءا من سيرته الذاتية بحبر الفرص الضائعة.
 
أخاطبك لأن التسلح بالنقد الذاتي، في عُرفك، لا يرادف لطم الخدود والعض على أطراف الأصابع أو الدخول في طقوس النحيب الإيديولوجي والسياسي، بل يعني الاسترشاد العملي بالقولة الذهبية "لكي نخطو أماما، علينا أن نتخطى أوهاما".
 
أخاطبك لأنك كنت، مثل مصل تلقيحي، ضد الدوغمائيات الإيديولوجية المصفحة، فأصبحت أفهم أن قيمة فلسفة التنوير تكمن في رؤيتها للفرد باعتباره كيانا يمور باستمرار ويتحرك باتجاه المستقبل عبر حركة تدرجية من السديم إلى النور ومن الغريزة إلى العقل ومن الضرورة إلى الحرية ومن الدولة ككيان لاهوتي إلى الدولة ككيان تعاقدي.
 
أخاطبك لأنك نبّهتني إلى أن الحداثة، في أحد تعريفاتها، ليست سوى نمطا من الوقوف البريء خارج المعبد وليس هدما أو تدنيسا له. وتأسيسا على ذلك، كنت ضد علمانية راديكالية، تتغيى الاقتلاع الثقافي للدين. وانحزت إلى تقوى حداثية لا تبدو، في مظهر المتدين، بل في ضميره، لأن المتدين الحداثي لا تغريه نعم الجنة ولا ترعبه أهوال جهنم، بل يحكمه هاجس الصدق والأمانة والتفاني في أداء الواجب.
 
أخاطبك -وأنت لينيني الهوى- لأنك وضحت بأكثر من صيغة أن معركة الماركسية طبقية وليست دينية. ليست معركة بين مؤمنين وغير مؤمنين، بل بين مستغَلين ومستغِلىين. إنها إيديولوجية الطبقة المسحوقة وليست فلسفة الطبقة الملحدة. وبناءً عليه، فهي لا تنافس الله في تدبير ورش السماء. ولكنها تتمسك بحقها في تدبير ورش الصراع على الأرض ضد كل أشكال الاستغلال.
 
أخاطبك لأنك تؤمن بأن الذين نهضوا بعد سقوطهم لم يغيّروا أقدامهم بل غيروا أفكارهم. ولذلك كنت تواقا وبشكل دؤوب لنهضة ثقافية تقوم على التخلص من التتلمذ البليد للغرب، والاطمئنان الكسول إلى محاصيل الماضي المطمورة في مخازن التاريخ.
 
أخاطبك لأنك تركيب كيميائي من عقل جدلي، وصدق وطني، ووجدان قومي، وأفق كوني. مقالاتك المرجعية وتحليلاتك الفكرية والسياسية وافتتاحياتك الإعلامية تقدم وجبة دسمة من مرشدك الإيديولوجي إلياس مرقص والسياسي المفكر ياسين الحافظ، مرورا بخريجي مدرسة اليسار القومي: محسن إبراهيم وفواز طرابلسي ووضاح شرارة (مجلة بيروت المساء)، وبلال الحسن (مجلة اليوم السابع)، ولطفي الخولي قبل أن يغير معطفه (جريدة الأهالي).
 
أخاطبك في لجة عالم يموج بتحولات سريعة في إيقاعها، بطيئة في استيعابها وبعولمة متوحشة تسوق معها خطاب الموت والنهايات (موت السياسة والثقافة والتاريخ والإيديولوجيا و...!!!)، وأصبح البعض يلهج ضاجا بصوت (الخبير) وهو ما كنت تعارضه تلميحا وتصريحا اعتبارا من أن (الخبير) قد يُصلح ساعة يدوية، ولكنه لن يصلح لحظة مفصلية أو زمنا مصيريا.
 
أخاطبك لأنك خلصت مفهوم التوافق من كل حمولة قدحية أو استخدام تكتيكي، وشحنت بطاريته بطاقة إيجابية ليغدو نهجا سياسيا ثابتا في تدبير قضايانا المصيرية تفاديا لهدر الزمن في صراعات منهكة وغير منتجة قد تطيل أمد وضعية الحجز والانحباس أو تدخلنا في سيزيفية سياسية.
 
والآن أستاذي الفاضل، أتخيلك في صمتك الذهبي تتوسد خدك على راحة يدك وتسافر بذهنك وسط أدغال من أسئلة شائكة وممضة من قبيل: ما الفرق بين نقد السياسة ونعي السياسة؟ كيف نعيد لها نبلها أمام هذا العزوف الاشمئزازي اليائس من السياسي باعتباره مدانا ومتهما، بل والاقتراب منه شبهة؟ كيف يحل اليسار معادلة وزنه السياسي مع حجمه الجماهيري والتنظيمي والانتخابي؟ هل يمكن أن تمارس السياسة بشكل صحي في تآكل تدريجي للطبقة الوسطى وبيتم نظري وكساد إيديولوجي وغياب لأطروحة جاذبة، إذ لا ريح مواتية لمن لا بوصلة له؟
 
لماذا جاءت حصيلة المكتسبات شحيحة قياسا بحجم التضحيات؟ هل كانت المشكلة في الباب أم في المفتاح؟ هل في أحذيتنا أم في أقدامنا؟ هل لوعكة طارئة على أبصارنا أم لمرض مزمن في بصائرنا؟ هل كان الأمر يقتضي مراجعة الصفحة أم تغيير الكتاب؟
 
وأخيرا هي حروف وفاء واعتراف بجميلك، أستاذي الفاضل، كتبتها بأهداب عيوني من محبرة قلبي علّها توفيك بعضا من حقك أيها البهي.
 
لم يبق لي إلا أن أرصع جبينك بقبلة مدموغة بخاتم التقدير والاحترام.
 
التوقيع:
رهين الوفاء لمحبتك الدائمة
ذ. حميد منسوم.
مراكش في 31 غشت 2023
 
يوسف غويركات ومحمد الحبيب طالب وعبد الغني أبو العزم وأحمد الحجامي
زيارة رفاقية لـ"الطالبي" الذي يمر بظرفية صحية صعبة
ليبلّغوه حب كل رفاقه وتمنياتهم بالشفاء العاجل