الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

في الوحدة العضوية والوحدة النضالية.. الاشتراكي الموحد هو المؤهل لأي تجربة وحدوية يسارية

 
محمد المباركي
 
 
لقد كان من الصعب، وهذا خصوصا منذ المؤتمر الرابع للحزب الاشتراكي الموحد، إبداء الرأي بخصوص الوحدة الاندماجية بين مكونات فيدرالية اليسار الديمقراطي. وهذا راجع إلى كون الموقف من الاندماج العضوي داخل الحزب الاشتراكي الموحد طُرح بشكل استعجالي صراعي وصل حد المواجهة العلنية خارج الإطار الحزبي.
 
عوض اعتماد مبدأ الإقناع والاقتناع لإدارة النقاشات والرجوع إلى المساطر الديمقراطية المعتمدة، حصلت تفاوتات تنظيمية، أطلق العنان معها لأقوال ساقطة وتصرفات صبيانية كأن الحزب عبارة عن جوقة مهلهلة، وليس إطارا حزبيا يدار فيه الحوار الفكري والسياسي بشكل مسؤول وانضباط أخلاقي وتنظيمي واعٍ.
 
إن مبدأ النقد والنقد الذاتي داخل التنظيم الحزبي اليساري مبدأ أساسي، سواء ما خص العلاقة الرفاقية أو العلاقة مع الجماهير. لكن أن يتم اللجوء إلى السب والشتم والكلام الساقط تحت ذريعة ممارسة الحق في النقد، فهو أمر لا يمكن تبريره بأية حال من الأحوال، لأنه عنوان التسيب التنظيمي والأخلاقي الذي يضر أكبر ضرر بالثقة المتبادلة بين عضوات وأعضاء التنظيم مع إعطاء صورة مشينة للتنظيم الذي، أردنا منه أن يكون مثالا للتضحية والمسؤولية.
 
في خضم ذلك الجو المشحون، لم تكن هناك إمكانية التفوه ولو بكلمة مسموعة لحدة التشنجات. كالشجرة الطيبة التي تحتاج لتربة صالحة لتعطي أكلها، فكذلك الكلمة الطيبة تحتاج للجو السليم يسمح للعقول أن تتبصر. والآن وقد هدأت عاصفة الأخذ والرد ومعها القيل والقال وما يترتب عنها من مساوئ الفتنة المدمرة، وبعد أن اتضحت الأمور وتمّ الحسم في احترام استقلالية كل مكون سياسي، التي كانت واضحة منذ البداية، لكن في ظل عدم التريث وإحكام العقل بجعل حد للفتنة التي كانت قائمة في بعض العقول التي كانت تذكي نارها في غياب الانضباط للإطار الحزبي.
 
ما هي الخلاصة بالنسبة للصراعات، التي حصلت، بسبب الإسراع بعملية الاندماج لمكونات فيدرالية اليسار الديمقراطي؟
 
- بعد غربلة كل ما وقع، أمكن التأكيد أن الحصيلة، وإن كانت في ظاهرها سلبية في العديد من جوانبها، تعبر على الغيرة الجماعية لوحدة اليسار. طرف يرى مدخلها عبر بوابة الوحدة الاندماجية ثم بعد ذلك نحسم في القضايا الخلافية... وطرف يراها عبر تدقيق المنطلقات الفكرية والاختيارات السياسية والتنظيمية... طرف وضع العربة التنظيمية قبل الحصان الفكري السياسي والتنظيمي، والطرف الآخر يرى العكس.
 
- تأكد المنظور العاقل الذي شاطرناه، لكن لم يكن له صدى نظرا للجو الذي أشرنا إليه أعلاه، والذي يرى أن الوحدة تكون عن طواعية، حافزها الأساسي عامل الثقة المتبادلة والقناعات الفكرية والسياسية والتنظيمية الواعية المشتركة. الوحدة كالحب لا تفرض بالحسابات والتكتيكات والتكهنات، إنها عملية طوعية واعية لذاتها وبذاتها. ومنه يتجلّى الموقف الموضوعي أن من له قناعة في الوحدة الاندماجية الآن، الدخول في تطبيقها وإعطاء المثل في نجاحها ومصداقيتها وضروريتها من دون تحميل الغير مسؤولية تهاونهم وتبرير انعدامهم للجرأة الملحّة في تطبيق موقف يرونه عاجلا، من يمنع الذين لهم نفس الموقف ونفس الإرادية تحقيق عملية اندماجهم في تنظيم سياسي موحد؟ لا أحد إلا أنفسهم. بل إن إقدامهم على ذلك سيوضح الأمور ويعطينا تجربة وحدوية إلى جانب ما قام به الاشتراكي الموحد، علما أن الوحدة اليسارية الفعلية هي أساسا نضالية.
 
- دخول الحزب الاشتراكي الموحد الانتخابات القادمة بشعار الشمعة، ليس عملا مضرا بأية حال من الأحوال، بل عكس ذلك، فهو تثمين وتقوية للعمل الميداني الجماعي لقوى اليسار، الذي ينبغي النظر إليه كعملية بناءة جعلت حدا للعديد من التأويلات المزعومة والممارسات الخاطئة. كما يلزم التأكيد أن العملية الانتخابية، رغم أهميتها المعينة، ليست مصيرية بالنسبة لخط النضال الديمقراطي الشعبي لليسار. الحصول على بعض المقاعد في برلمانٍ، لا يسمن ولا يغني من جوع في غياب القاعدة الجماهيرية العريضة على أرض الواقع المجتمعي لفرض الحقوق والمطالب المشروعية.
 
- لذا فإن الحسم الذي قام به الحزب الاشتراكي الموحد في دخوله الانتخابات القادمة بشعار الشمعة، يجعل حدا لوهم الخط الانتخابي هو مدخل بناء الحزب اليساري الكبير. تجربة الاتحاد الاشتراكي خير دليل للبرهنة على ذلك. تشبث الحزب الاشتراكي الموحد باستقلاليته في أخذ قراراته السياسية يعتبر بالفعل قرارا تاريخيا، يلزم احترامه واعتباره غيرة على بناء وحدة الحزب اليساري الجامع عبر ثقة جماعية وقناعة واعية طوعية خارج الإكراهات وفرضيات الاعتبارات المسطرّية والتعاقدات الفوقية.
 
- اندماج تنظيم سياسي مع تنظيم سياسي آخر أو مكونات سياسية أخرى، لا يخضع لإحكام منطق الأقلية والأغلية. لأن عملية الوحدة العضوية هي أساسا وحدة قناعات فكرية سياسية تنظيمية إلى جانب الثقة المتبادلة كأساس للوحدة. الثقة الحقيقية تبني في النضال الجماهيري اليومي المشترك. لذا الوحدة اليسارية الفعلية هي وحدة نضالية. الوعي بهذا المعطى المحور، يجعل عملية الوحدة تتمّ بالحسنى، والافتراق يتمّ هو الآخر بالحسنى، لأن ما يجمع فعلا اليساريّين هو ساحة النضال. فهم موحدون في النضال من أجل مبادئ وتطلعات أساسية تجمعهم.
 
- المعطى الذي ينبغي التركيز عليه عند معالجة وحدة قوى اليسار، كون الحزب الاشتراكي الموحد بتجربته وديناميته هو القوة الأكثر تأهيلا لضمان نجاح وحدة اليسار وبناء حزبية الجامع. لماذا؟ لأنه الوحيد الذي مارس التعامل بالتيارات ونجح رغم المعوقات التي يفرضها الوضع الموضوعي اجتماعيا وسياسيا الذي يتحرك فيه. هذا إلى جانب المستوى الرفيع الذي تعبر عنه مرجعيّته الفكرية ومواقفه السياسية. هذا إلى جانب اندماجه العضوي في حركة 20 فبراير والحراك الشعبي بالريف وجرادة وغيرها من النضالات الشعبية. وهذا بقاعة الانخراط فيها وليس الركوب عليها لتصريفها في أي مجال.
 
- الحزب الاشتراكي الموحد الذي اتسع لخمس مكونات مختلفة المشارب والتجارب، بآرائها وأفكارها وطاقاتها لا يحق أحد التفريط في رصيده السياسي والتنظيمي، وأنه المؤهل ليقتدى به في أي تجربة وحدوية يسارية. الذي وجب التمسك بوحدة الحزب واستمرار النقاش داخله من منطلقات الماضي المشترك، الذي راكمناه، ووضع حد للعداوة السائدة بين أطر الحزب والتي انعكست سلبا على وحدة الفعل التنظيمي والسياسي والتي أذكت المزايدات وكأننا تنظيمات متصارعة، وليس وجهات نظر متكاملة. لقد تم الاتفاق على تأجيل نقاشات الاندماج نظرا لضيق الوقت وحساسية الموضوع إلى ما بعد الانتخابات لننضبط لهذا القرار الجماعي.
 
وأخيرا، أظن صادقا، أن ما حصل بعد غربلة شوائبه والحفاض على إيجابياته، فيه صلاح الحزب الاشتراكي الموحد، وكذا باقي مكونات فيدرالية اليسار الديمقراطي. لذا أشد على يد كل الرفيقات والرفاق الرجوع إلى الإطار الحزبي، الذي يتّسع للجميع للتفاعل والتفاهم في ما بيننا خارج التصدعات الهدامة. ليس هناك غالب أو مغلوب. كل ما هناك روح نضالية لجعل حد للهيمنة الاستبدادية للنظام المخزني القاتم على مشاعر ومطامح وتطلعات شعبنا للحرية والكرامة والمساواة. إن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا وطريق النضال غير التي تفتح أبواب برلمان وهمي وإن كان كداء لابد منه.
 
____________________________
عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد