الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

ما أشبه اليوم بالأمس.. مقال كتبته قبل 16 سنة: لماذا لن أشارك في مسيرة فلسطين؟!

 
حميد أحمد المرادي
 
 
علمتنا تجارب "جمع ما لا يجمع"، التي تخصص فيها خالد السفياني، أن القوى السياسية المتجلببة بالدين الإسلامي تستعمل هذه التظاهرات كمظلات للإعلان عن شعاراتها العنصرية تجاه الديانات الأخرى، وتجاه النساء، وتجاه القوى الديمقراطية بكل أطيافها
 
هذا المقال سبق لي أن نشرته منذ 16 سنة على الموقع اليساري "الحوار المتمدن"، و16 سنة تشكل عمرا في تاريخ شعوب تفكر في بناء الحاضر والمستقبل، كنت قد كتبته آنذاك باسم مستعار "حميد الهاشمي الجزولي"، والهاشمي هو اسم المرحوم أبي، والجزولي كنية أمي، التي أتمنى لها طول العمر.
كنت سأضيف بعض التحيينات، لكن بعد إعادة قراءته، اقتنعت بأن فيه ما يكفي من العِبر، لأن المعنيين بالمقال لم يتغيروا قيد أنملة، حتى ليصدق عليهم المثل المغربي الدارج "الرَّاسْ اللِّي مَا يْدُورْ كُدْيَة"، ويُطرح سؤال جارح: أي عقل هذا الذي يفتخر بأنه لم يغيّر رأيه بعد مرور الكثير من الزمن ومن التحولات؟!
حرقة السؤال أكبر من السؤال نفسه، لَكَمْ أرثي لِحال بعض الذين اشتركنا معهم بعضَ طريقٍ، وإعادةُ نشر المقالة ليس إلا محاولة طرح السؤال من جديد...
 
لماذا لن أشارك في مسيرة الرباط ليوم 28-11-2004
 
حميد الهاشمي الجزولي
 
بدعوة شفوية من السيد خالد السفياني، وهو حسب علمي قام بالدعوة بدون صفة جمعوية أو سياسية أو نقابية، اللهم صفته الشخصية، إلى لقاء من أجل التحضير لـ"مسيرة من أجل فلسطين"، وتقرر خلال الجمع المذكور تنظيم هذه المسيرة يوم الأحد 28-11-2004 بالرباط.
وتم الإعلان بواسطة ملصقات تحمل صفة صاحب الدعوة إلى "المسيرة" وشعارها وتاريخها والتي تتلخص في كون المنظم هو "مجموعة العمل الوطنية لدعم العراق وفلسطين"، وهو ائتلاف يضم شخصيات من مختلف التوجهات السياسية والنقابية والجمعوية، يحضر أغلب ممثليها بدون تفويض من تنظيماتهم، وفي بعض الأحيان بدون علم هذه الأخيرة.
 
ائتلاف فلسطين يجمع قوى قروسطية تحمل وثائقها أحكاما تنتمي إلى عهود الجهالة والبدائية
 
وهذا الائتلاف يتميز بصفة غريبة، وهو كونه يجمع في صفوفه قوى قروسطية ما زالت تحمل وثائقها أحكاما حول الكون والطبيعة والإنسان، تنتمي إلى عهود الجهالة والبدائية، رغم أن أصحابها يتأنقون في بدلات "بيير گاردان"، ويتجلببون بمناسبة اللقاء مع "القواعد"، وقوى تنتمي إلى المستقبل وتدعو إلى البديل الاشتراكي باعتباره البديل عن همجية الرأسمالية، بالإضافة إلى قوى تضع نفسها دون هذا ودون الآخر.
 
بعد استشهاد الزعيم ياسر عرفات، تمر القضية الفلسطينية بمرحلة حاسمة في تاريخها، ما أحوج الفلسطينيين فيها للدعم ماديا ومعنويا من أجل أن يتوحد الشعب الفلسطيني حول مشروعه الوطني الديمقراطي، ليس فقط من خلال التظاهر بالشارع العام، بل بالعمل على جعل القضية الفلسطينية في المركز من الاهتمام العالمي رسميا وشعبيا، وهذا ما استوعبته كل القوى الوطنية والديمقراطية الفاعلة في الساحة الفلسطينية، وتعمل داخليا وخارجيا من أجل إنجازه على الأرض.
 
فـ"القضية الفلسطينية قضية وطنية" وهي بذلك ليست موضوعا للمزايدة من أحد وليست وسيلة وواسطة للإعلان عن وجود سياسي كيفما كان، ولقد علمتنا تجارب "جمع ما لا يجمع"، التي تخصص فيها السيد السفياني، أن القوى السياسية المتجلببة بالدين الإسلامي، الذي هو عقيدة أغلب المغاربة، تستعمل هذه التظاهرات كمظلات للإعلان عن شعاراتها العنصرية تجاه الديانات الأخرى، وتجاه النساء، وتجاه القوى الديمقراطية بكل أطيافها، ولم تلتزم يوما بما تتفق عليه من شعارات واتفاقات تنظيمية...

يحاول الإسلامويون تهريب القضية الفلسطينية إلى المجال الديني، مما جعلها وسيجعلها تفقد أكثر فأكثر التعاطف الشعبي العالمي
 
ويحاول الإسلامويون تهريب القضية الفلسطينية إلى المجال الديني، مما جعلها وسيجعلها تفقد أكثر فأكثر التعاطف الشعبي العالمي، ويسهّل مأمورية المحافظين الجدد المسيطرين على الإدارة الأمريكية والصهيونية بقيادة القوى اليمينية المتطرفة لتصفية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ديمقراطيا.
 
والمفروض أن تكون القوى الديمقراطية واليسارية في صف الاختيار الديمقراطي بدون تردد أو غموض.
 
إذا أرادت القوى الإسلاموية أن تعبر عن موقف ما، فما عليها إلا الدعوة إلى "مسيرة" إسلاموية وأن تعبر آنذاك عن "رؤيتها" للقضية الفلسطينية منذ كانت "خيبر" إلى أن كان "جيش محمد" الذي فككته القوات الأمريكية المحتلة للعراق
 
إذا أرادت القوى الإسلاموية أن تعبر عن موقف ما، فما عليها إلا أن تتحمل مسئوليتها في الدعوة إلى "مسيرة" إسلاموية دون الحاجة إلى مظلة من أحد، وأن تعبر آنذاك عن "رؤيتها" للقضية الفلسطينية منذ كانت "خيبر" إلى أن كان "جيش محمد" الذي فككته القوات الأمريكية المحتلة للعراق، "جيش محمد" وأمثاله من القوى المتدثرة بالدين التي جعلت من الشعب العراقي معتديا بدل أن يكون المعتدى عليه، كما امتداداتها الأوروبية، التي حولت المهاجرين العرب والمسلمين إلى "متهمين حتى يثبتوا العكس" بعد أن كانوا يستفيدون من مكاسب حققتها شعوب أوروبا بنضال مرير ضد الإقطاع والكنيسة واستغلال الرأسمال.
 
مطلوب من القوى الديمقراطية أن تحدد ائتلافاتها وتحالفاتها على أساس المشروع المجتمعي المطروح، وليس على أساس الاعتبارات الشعاراتية أو العلاقات الشخصية...
 
ولان ائتلاف "المجموعة" المنظمة لـ"مسيرة 28 نونبر 2004" ليس ائتلافا طبيعيا، فلن أشارك فيها، وأعلن عن دعمي اللامشروط للشعب الفلسطيني والشعب العراقي في إنهاء الاحتلال وتحقيق المجتمع الديمقراطي الضمانة الأكيدة لتقرير مصير الشعوب...