الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

عمر عزّيمان.. حــارس البوابــة

 
محمد الهرادي
 
 
هل حدث لعمر عزيمان نفس ما حدث لشخصية الكوندي لوكانور مع مستشاره باترونيو، واحتاج إلى واحدة أو أكثر من تلك النصائح التي ضمّنها القشتالي دون خوان مانويل في كتابه الممتع، المعنون بـ"الكوندي لوكانور"؟
 
لا أحد يدري، ولا يمكن الجزم أن عمر عزيمان له وجْهُ شبه مع الكوندي لوكانور على مستوى الوظيفة والدور، أو أنه مرّ حرفيا بواحدة من تلك المواقف العصيبة التي أفتى فيها باترونيو وطلب منه الاستشارة، لكن لنتأمل الحالة المرضية التي وصل إليها التعليم العمومي، ولنقرأ طبيعة العلاجات والوصفات التي يقترحها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، حينها سنفهم دلالة هذا السؤال وخلفياته، وسنكتشف أيضا في النهاية جوابا للتساؤل المعلق: هل توجد صلة بين عزيمان، والكوندي لوكانور؟ وهل يمكن مقارنة دور المجلس الأعلى للتربية والتكوين بالدور الاستشاري الذي كان يقوم به باترونيو، بطلب من لوكانور؟
 
يطمح إلى أن يقوم بدور المايسترو في المجلس الأعلى للتربية والتكوين يتمناه ويحاول أن يدركه ولا يصل إليه
 
لنعترف أولا أن الزوابع لا تهدأ من حول المجلس الذي يرأسه عمر عزيمان، أحيانا تكون زوابع ناتجة عن منهجية التواصل التي يعتمدها المجلس، أوعن طريقة تنزيل التوصيات التي يبشر بها، لكن ثمة خداع كامن خلف تلك الزوابع، ويتمثل ذلك في الصمت الذي يعقبها، وفي كنه الحقيقة التي تخفيها أو تعلن عنها، ويتم عبرها تكييف طقس الإصلاح التعليمي لاختبار مداه وحدود توقعاته.
 
تهدأ زوبعة المجانية التي هي جزء من مشكلة تمويل التعليم دون أن يكون هناك نقاش عاقل حولها، ودون أن يصل الذين حركوا الغبار إلى قرار إصلاحي يتسم بالجرأة بعد أن تحول الموضوع برمته إلى مجرد مخاوف أمنية، ثم تصعد بعدها من ثنايا الأفق الغائم بوادر زوبعة أخرى عن لغة التدريس في التعليم الأولي، ونكتشف أننا ما زلنا بحاجة إلى إعادة سماع ما قاله العروي وعيوش حول النازلة، مع العلم أن التكرار قد يحول الأقوال في بعض الحالات إلى كلام مقدس، يشل العقل والخيال.
 
أصبح عمر عزيمان رجل "الإجماع" الذي فرضته المرحلة الانتقالية والناطق الرسمي باسم النخبة التي نجحت في تأسيس منظمة حقوقية مستقلة
 
منذ بداية شيوع هذا اللغو الإعلامي حول "سلعة" التعليم العمومي، وبعد نشر مشروع "القانون ـ الإطار" وغيرها من وثائق الإصلاح، نكتشف أن الملعب غير مهيأ لترتيب نقاش عمومي حول التعليم، بل حتى لإجراء مباراة وصراع حبّي بين اللغات الدارجة والأمازيغية والعربية بتقييم من حكم فرنسي، وفي المقابل نجد أن بوابة المدرسة المغربية مشرعة على مصراعيها، ولذلك يلجها كل العابرين المتصارعين في الساحة السياسية، مسلحين فقط بالعموميات والتمنيات وبشعارات الحملة، وأن عمر عزيمان مطلوب منه في هذه الحالة المتسمة بتعدد الخطابات أن يقف حارسا عند البوابة لينصت إلى الجميع، وأن يفتح عند المدخل مكتبا للتواصل مهمته شرح وتوضيح ما يريده هو، أي ما يريده الكوندي لوكانور الذي يلجأ إلى بارتوليو لطلب الفتوى والاستشارة كلما آلمه صداع مشكلة ما، وبالطبع، ما يريده الكوندي هو ما نريده نحن: أحزاب وجمعيات ونقابات ومؤسسات، وهو ما تريده كل الأطراف المنتقاة بملاقط متحيزة بشكل مسبق، واختيروا ليكونوا في المجلس وليضعوا أيديهم بكل أريحية في القدر الساخن للتعليم، وأن دور عزيمان هو أقرب إلى دور الحكم بين فرقاء المجلس وليس بين فرقاء ومكونات المجتمع، فيما هو يطمح بلا ريب إلى أن يقوم بدور أقرب إلى دور المايسترو، يتمناه ويحاول أن يدركه ولا يصل إليه.
 
هذا الوضع برمته يقول لنا إن الجسد التعليمي لا يتفاعل بشكل مثالي مع علاجاته الجزئية، أي تلك العلاجات التي تحافظ على هيكل ووظيفة التعليم الموروثة وتعيد إنتاجها، وتراهن على تطبيق بعض منظورات اقتصاديات التربية كي تصل المنظومة ذاتها إلى درجة إنتاجية موصى بها دوليا، وكل ذلك لخدمة قطاع اجتماعي يعيد إنتاج إعاقاته على الدوام ويدور في حلقة مفرغة، ويصعب فيه تحويل معطياته النوعية إلى أرقام كمية كي يكون قابلا للمسك والتوصيف والتحكم. الأمر هنا قريب من إخضاع جسد محتضر إلى عملية حقن دم وإنعاش لا جدوى منها، لأن الأسباب التي أدت إلى حالة الاحتضار ما زالت باقية، ولأن الأسباب إذا تكررت فمن الحتمي أن تتكرر نفس النتائج.
 
حارس البوابة
 
هل يستطيع عمر عزيمان اليوم استحضار نقطة البداية، وتمثل ذلك الدور الذي قام به علال عزيمان عند تأسيس المدرسة الأهلية في منتصف عشرينيات القرن الماضي بتطوان إلى جانب محمد داود وأفيلال وبنعبود وبنونة والخطيب وغيرهم؟ وهل يمكنه استحضار تجربة والده محمد عزيمان الذي لعب دورا ثقافيا وتربويا كان مكملا لدور النخبة الثقافية والسياسية آنذاك، وذلك على خلفية الأهداف التي رسمها المجلس الأعلى لإصلاح التعليم في الشمال والذي انطلق في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي برئاسة الفقيه الرهوني؟
تغيرت الوجوه والأزمنة لكن الأهداف الكبرى باقية، ومع ذلك يمكن أن يستحضر الدور الثقافي والتربوي لوالده الذي لم ينحصر في الكتابة والتحقيق والترجمة، بل تعداه إلى تأسيس مجلة "تمودا" التي توحدت بعد الاستقلال مع مجلة "هيسبريس"، وإلى تأسيس تقليد الاحتفال بـ"عيد الكتاب" الذي ينظم في ربيع كل سنة، والأهم من ذلك أنه وفر منحا دراسية للعديد من الطلبة للالتحاق بجامعات إسبانيا والمشرق العربي بصفته نائبا لوزير المعارف (التربية الوطنية)، وهي المسؤولية التي كانت تغطي كل المؤسسات التعليمية بمنطقة الشمال، وذلك إلى حين "الصدمة" التي أحدثها الاستقلال بعد أن تم تذويب الشمال في البنية الإدارية الموروثة عن الحماية الفرنسية، ودخول تطوان مرحلة العد العكسي الذي كان سببه انتهاج سياسة التهميش الممنهج، وهي وضعية أدت إلى بروز مواقف نقدية جذرية منذ أواسط الستينيات، وإلى تصاعد نزعة انفصالية تغذيها الذاكرة الريفية مقابل هذا التهميش.
 
سيتم النداء عليه ليدشن أول وزارة (مكلفة) بحقوق الإنسان وسيجد نفسه أمام ملفات عسيرة من قبيل "العدل والإحسان" و"تازمامارت"
 
تحت ظلال هذا الوالد الذي كان له وضع اعتباري خاص ومتميز، عاش الابن عمر، لكن عمر عزيمان خريج "الإسكويلة" والذي نمت شخصيته على تخوم ثقافات ثلاث هي الإسبانية والفرنسية ثم العربية، وبهذا الترتيب حسب درجة الكفاية، لم يخفِ مواقفه النقدية تجاه النظام منذ التحق بالرباط لدراسة القانون. كان بعيدا عن أي انتماء سياسي رغم أن عقله النقدي وحاسته السياسية كانت متعاطفة مع اليسار، وكان الاحتراز والتحفظ مطلوبين لأن الستينيات الملتهبة لم تكن تسمح لابن تطوان الوفي لتقاليده ولشبكة علاقاته العائلية بأكثر من ذلك، لكن نقاشاته السياسية، ورغم كل أشكال التحفظ البادية، لم تتوقف داخل الوسط القريب من النخبة الأكاديمية، وقد برز داخلها وحتى قبل انتقاله إلى فرنسا لمتابعة الدراسة كواحد من "العقلاء" الذين ينأون بأنفسهم أن يكونوا مصنفين ضمن تلك الشعبوية اليسارية الغالبة داخل الوسط الطلابي. كان يمكن تصنيف عمر عزيمان كواحد ينتمي، بشكل ما، إلى "أرستقراطية اليسار" الهادئ الذي كان نادر الوجود، لدرجة يحسب المرء أنه غير موجود. وربما من نقطة الانطلاق هاته، رسم لنفسه وباتزان بروفيل يعزز تلك الثقة، التي حظي بها لدى مخاطبيه، وأصبح بذلك محل إجماع لدى جهات متباينة المواقع، هكذا، وفي الإبان المناسب، قُدم له المفتاح الذي يستطيع به أن يلج البوابة، ويستطيع من خلاله أن يطل على أداء الدولة، وأن يفهم ويزن بعقله آلية اشتغالها، وليقدم المساعدة الضرورية في الملفات المتعلقة بإصلاح الأعطاب.
 
تنفتح البوابات تباعا أمامه لتُسلم إليه مفاتيح الملفات التي تشكل جزءا من هواجس النظام الذي كان محتاجا إلى تغيير جلده وتجديد دمائه
 
أولى تلك المفاتيح تمثلت في صياغة ملامح ما اصطلح عليه "دولة الحق والقانون". فقد عبَر عمر عزيمان، حاجز الصمت السياسي والحقوقي منذ تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. تولى رئاسة هذه المنظمة الحقوقية بصفته المستقلة في مؤتمرها التأسيسي الذي مُنع عدة مرات، ولذلك حين حدث ذلك العبور في مناخ حقوقي وسياسي مشحون بالإثارة والترقب، وانتظار نتيجة التوافقات السياسية بين الأحزاب التي تم توجيهها في قاعة سمية بالرباط لملاءمة اختياراتها، اعتبر ذلك انتصارا لدعاة استقلال التنظيم الحقوقي عن الحزب السياسي، لكن في نفس الوقت، أصبح عمر عزيمان، منذ ذلك الحين، رجل "الإجماع" الذي فرضته المرحلة الانتقالية، والناطق الرسمي باسم النخبة التي نجحت في تأسيس منظمة حقوقية مستقلة، تأسست في المناخ الذي أدى إلى إصدار قرار إطلاق سراح الدفعة الأولى من المعتقلين السياسيين في سنة 1989، ثم الشروع في مفاوضات من أجل عودة المنفيين، وبداية تأصيل الدعوة إلى إصلاحات سياسية وحقوقية، لم تجد لها للأسف، الصدى المطلوب في دستور 1992، وهو الدستور الذي تم تعديله بعد ذلك بأربع سنوات.
 
لم يقض عزيمان إلا حوالي سنة داخل الجمعية الحقوقية، التي عقدت مؤتمرها الأول في 1989، وحُوّلت الرئاسة إلى خالد الناصري من حزب التقدم والاشتراكية، لكنه لم ينتظر طويلا بعد أن اندمج في النقاشات الحقوقية التي واكبت الانفتاح الذي عرفته نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، على خلفية ضغوط دولية عديدة، وأسفرت عن عفو شامل على المعتقلين السياسيين وعن الاعتراف دستوريا بالحقوق الإنسانية "كما هو متعارف عليها دوليا"، هكذا سيتم النداء عليه ليدشن أول وزارة (مكلفة) بحقوق الإنسان ضمن الحكومة التي ترأسها محمد كريم العمراني في خريف 1993، وسيجد عزيمان نفسه وجها لوجه أمام ملفات عسيرة كانت بمثابة اختبار لكفاءته السياسية والقانونية، وعلى رأسها ملف "العدل والإحسان" ومرشدها عبد السلام ياسين، وملف الخارجين من تازمامارت، وبداية التفكير في تعويض ضحايا سنوات الرصاص.
 
كيف يمكن للنظام التعليمي أن ينتج السباع عوض الضباع أنصاف المتعلمين
 
تنفتح البوابات تباعا أمام عمر عزيمان لتسلم إليه مفاتيح الملفات التي تشكل جزءا من هواجس وأولويات النظام الذي كان محتاجا إلى تغيير جلده وتجديد دمائه. وكان الأمر يتطلب نضجا سياسيا مفتقدا كي تصل الإصلاحات الحذرة إلى أهدافها. لكن البداية الصعبة التي دشنها عزيمان، لم تكن بدون نتائج عملية، رغم كل العوائق البنيوية في النظام التشريعي والقانوني، ومع ذلك ستستمر محاولاته الإصلاحية حين عُيّن على رأس وزارة العدل التي كانت تعشش فيها جيوب مقاومة، إذ رغم إنشاء شبكة للمحاكم التجارية وإصلاح جزئي لوضعية السجون بالمغرب، فإن محاولاته الإصلاحية لم تتسم بالشجاعة والجرأة المطلوبتين منه، وتطلب الأمر وقفة تأمل وإعادة تقييم، وقتها، انتصر المنظور الذي أذكته "جيوب مقاومة" متعددة وأزيح بحزم من هذا المنصب الحساس قبل أن يعين رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
 
كان عزيمان، الذي أغلقت البوابات الكبرى أمامه، قد بدأ يتسرب إليه تعب مزمن، وربما شعر وقتها أنه يدور في حلقة مفرغة، رغم أنه جعل المجلس، خلال فترة قصيرة، يعمل وفق "مبادئ باريس"، وذلك إلى الوقت الذي عفى الله عنه وانتقل إلى مدريد، سفيرا للمغرب هناك، حيث سيختبر تحديات أخرى من نوع آخر لها صلة مباشرة بموضوع السيادة الترابية للمغرب على أراضيه، وقد حدث ذلك في مناخ متأزم.
 
منذ بداية شيوع اللغو الإعلامي حول "سلعة" التعليم العمومي نكتشف أن الملعب غير مهيأ لترتيب نقاش عمومي حول التعليم
 
بعدها كان اختيار عمر عزيمان لرئاسة اللجنة الاستشارية للجهوية له أكثر من دلالة، فقد اختبر الرجل عن قرب آليات التدبير الترابي للملكية الإسبانية، وتعامل مع ملف الصحراء من زاوية وظيفته الدبلوماسية في بلد له صلة تاريخية واستراتيجية بملف الصحراء وله اهتمام زائد بما يجري فيها على المستوى السياسي والمدني، وبصفته القانونية وبمزاياه الشخصية يعتبر أفضل مرشح لإدارة "القدرات الاقتراحية" لأعضاء اللجنة المتنوعي الاهتمامات والتخصصات، وقبل كل ذلك كانت مهمته قد انتهت في مدريد بعد ترشيح سفير آخر قادم من الصحراء ليسوّق "مشروع الحكم الذاتي"، ولذلك اعتبر ذلك التعيين على رئاسة لجنة الجهوية تكملة لنفس المسار السياسي، لكنه هذه المرة سيمس هياكل الدولة المتمركزة نحو تفويض بعض سلطها للجهات، ومن بينها الجهات الجنوبية التي ينظر إليها كمحفز موضوعي لتكريس جهوية متقدمة.
 
كانت أهم مشاكل عمر عزيمان هي تلك القواعد والأسس المنهجية التي سيبنى عليها تقرير "تشخيص الحالة"، لأنه بالأساس كان مطلوبا منه ومن لجنته إنتاج وثيقة علمية وقانونية تعتبر سند كل الاقتراحات حول الجهوية، وليس فقط تقديم توصيات سياسية وتنظيمية لعمل ووظيفة واختصاصات الجهات المقترحة.
 
وبالطبع، اشتغلت اللجنة وفق مجموعات موضوعاتية، وأنتجت وثيقة يمتزج فيها الطموح والتحفظ، لكن ما أنتج بسرعة وفق النموذج الجهوي الفرنسي الجاهز كانت تعوزه المعلومات والإحصاءات الدقيقة والتغطية القانونية التنظيمية، وربما كان ذلك بسبب ندرة وتشتت تلك المعلومات وعدم دقتها على أكثر من جهة وفي أكثر من مجال، لكن من المؤكد أن ما حصل بعد 20 فبراير، وخصوصا بعد خطاب الملك ليوم 9 مارس الذي أعاد صياغة توجهات الدولة، قد حول الوثيقة التي قدمها عزيمان إلى مجرد مشروع قابل للأخذ والرد والتعديل على مستوى الشكل والمضمون، وفي هذا المنعطف الحاسم، سيعاد النظر في كثير من الملفات المؤجلة، وأهمها ملف التعليم، الذي تم إهماله بشكل كلي، منذ صعود الإسلاميين إلى الحكومة.
 
أرانب وسلاحف
 
لا شك أن عمر عزيمان يعلم أن التعليم هو مجرد سباق، لكنه سباق غير متكافئ: عند خط الانطلاق يبدأ الركض وينطلق الفوج التعليمي وفق شروط المعطى الديموغرافي والانتماء الاجتماعي والثقافي بهدف تحقيق ما يصطلح عليه بالمشروع الشخصي، ولأن السباق يشارك فيه الأرانب والسلاحف، سنتصور أن أعطابا كثيرة ستحصل في الطريق، ولذلك يتساقط العديدون في كل مرحلة، المؤسف أن الذين يتساقطون في الطريق يحرمون من الخدمة العمومية، ولن يكون بمقدورهم المطالبة بحقهم وحصتهم من تمويل التعليم، خصوصا في سن الإجبارية، أما الأرانب الذين يصلون بالكاد إلى خط النهاية، صحبة بعض السلاحف الذكية فهم يستفيدون من حصتهم من التمويل العمومي ومن حصة الذين تساقطوا في الطريق، لكنهم أيضا يواجهون الجدار في النهاية، إذ لا يجد لهم سوق الشغل مكانا ولا يمكنهم تمويل مشروعهم الشخصي في الحياة الاقتصادية، وإذن يوجد ضياع وهدر مركب، ونتساءل: ما الذي سيقوله بارتوليو لحل هذا اللغز المعقد؟ وكيف يمكن للنظام التعليمي أن ينتج السباع عوض الضباع أنصاف المتعلمين؟
 
حين كتب دون خوان مانويل في القرون الوسطى كتابه الذي جمع فيه حكايات تستلهم الحكمة التي نطق بها بارتوليو لحل مشكلات زمانه، كان في الحقيقة يبحث عن حماية المصالح، وعن النجاعة التي تعود بالنفع. هل يستطيع الكوندي لوكانور اليوم أن يتحايل على الزمن، وأن يجعل المجلس الذي يرأسه، ينطق بنفس الحكمة عند عبور البوابة، وكي لا يصير هو نفسه مثل حارس بوابة الكاتدرائية الذي كتب عنه كافكا فصلا غنيا بالمعاني في رواية "المحاكمة"؟