الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

رسالة حب "خاص" في زمن الرصاص

 
محمد الخدادي
 
في يوم "عيد الحب" (كما هو متعارف عليه عالميا!)
رسالة افتراضية إلى القاضي أحمد أفزاز.
بتاريخ تراجعي في: 14 فبراير 1977...
 
في تلك الليلة، وزعتَ على معتقلي اليسار قرونا من السجن وخمسة أحكام بالمؤبد حضوريا (ومؤبدات أخرى غيابيا).
لم تستثن حتى الفتى (م.و)، الذي لم تكن له علاقة بتنظيم ولا نضال، وقد جمعته شبكة الكسح العشوائي، ففقد عقله خلال شهور الاحتجاز في المعتقل السري بدرب مولاي الشريف.
وقف أمامك شاردا... طالب الدفاع بإجراء خبرة طبية على قدراته العقلية، فكنت "مهنيا" جدا، إذ نصّبت نفسك خبيرا وسألته باسمه الشخصي: (م) انت بْعقلك أو احْمقْ؟
أجاب: بْعقلي.
فتوجهتَ إلى المحامي منتصرا: ها انت سْمعت الجواب يا أستاذ!
وأمرتَ كاتب الضبط أن يسجل في المحضر. وسجل.
والآخر، الذي حاول الحديث عن التعذيب عند البوليس فزجرته: جاوب على السؤال بنعم أو لا. واش كان عليهم يستقبلوك بالطبل والغيطة؟!
وأغلب الظن أنك لم تنسَ صرخة واحد من المؤبَّدين في وجهك، بلعباس المشتري، عندما أنهيتَ، باضطرابٍ وتلعثمٍ، قراءةَ سِفْر الأحكام: تبارك الله عليك، لقد جسدتَ استقلال القضاء!
ربما وحده انسحابك المتعثر من القاعة أنساك أن تزيده تهمة إضافية بإهانة المحكمة، أو لعلمك أن المؤبد لا يحتمل زيادة.
ولن تنسى صدى أصوات الذين عجزت الآلة المسخِّرة للقضاء عن إسكاتهم، وهو يواكب انسحابك المرتبك ويهز قاعة المحكمة في ذلك الفجر البارد بنشيد:
لنا يا رفاق لقاء غدَا، سنأتي ولن نخلف الموعدا...
SANS RANCUNE NI HAINE, VOTRE HONNEUR!I
بدون أي ضغينة ولا حقد سيادتك...
لقد كنتَ مجرد منفذ أمين للأوامر، وكوفئتَ سريعا بترقيات سخية.
 
♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦
 
هامش لا يهمك، إذ عند ذلك الفجر انتهت مهمتك:
كان ملف (م.و) فارغا فعلا، إلا من منشور قديم للنقابة الوطنية للتلاميذ حول مشاكل التعليم، التقطه من ساحة الثانوية حيث كان يدرس ودسه في كتاب، وربما لم يقرأه أصلا، إلى أن ضُبط عنده بعد اعتقال عشوائي، فكان "حجة على ضلوعه في التخطيط لقلب النظام"!
ولفراغ الملف، كان نصيبه من الأحكام الفلكية "فقط" خمس سنوات سجنا موقوف التنفيذ... لكن كان عليه أن يقضي السنتين الإضافيتين، اللتين تكرَّم بهما القاضي على جميع أفراد المجموعة، بتهمة عرقلة سير المحكمة، إثر احتجاجهم الجماعي على أسلوبه "الفاشيستي" في التعامل مع المعتقلين.
قضى (م.و) ما كان تبقّى له من السنتين في السجن المركزي بالقنيطرة وسط دعم المجموعة وخارج الوعي بالوجود، وبعد إطلاق سراحه بعام أو عامين، رحل بِعِلَّته، فانضاف إلى لائحة المغمورين من ضحايا آلة القمع في زمن الرصاص...