الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم
الكاتب اليساري والعضو السابق بالمكتب السياسي للاشتراكي الموحد محمد الوافي

محمد الساسي ونهاية وهم الحزب الاشتراكي الكبير

 
محمد الوافي
 
انتصار الواقع على الوهم
 
في منتصف تسعينيات القرن الماضي، أسس عبد العالي بنعمور، الذي أخذ مسافة عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، جمعية "بدائل"، وفي ظل المخاض السياسي الذي كانت تتميز به تلك المرحلة، أطلق عبد العالي بنعمور شعار من أجل حزب اشتراكي كبير، وكان يتوسم أن يقوم الراحل عبد الرحمان اليوسفي بدور الزعيم لتحقيق هذا الشعار، كما قام بذلك فرانسوا ميتيران، باندماج عدة تيارات في الحزب الاشتراكي الفرنسي.
 
ولنا أن نتساءل اليوم عن نتائج هذه الحركية والندوات واللقاءات التي تمحورت حول هذا الشعار، والمآل الذي انتهى إليه عبد العالي بنعمور.
 
ومع تشكل فدرالية اليسار الديمقراطي في 2014، أصبح محمد الساسي يحمل لواء هذا الشعار، مبشّرا بالحزب الاشتراكي الكبير، الذي لا يخلو من الانبهار بنموذج الحزب الاشتراكي الفرنسي.
 
إننا لا نجادل في أن يعتنق المرء هذا الحلم، ويبقى السؤال مفتوحا حول مدى تطابق الحلم مع الواقع.
 
في اجتماع الهيأة التنفيذية لمناقشة الورقتين السياسية والتنظيمية لفدرالية اليسار الديمقراطي قمت بتقديم توصيات واعتراضات المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، بالرغم من محاولة محمد مجاهد منعي من الكلام بشكل هيستيري
 
في هذا السياق، يجدر بنا القول إن بلورة الورقتين السياسية والتنظيمية لفدرالية اليسار الديمقراطي، كانتا مثار نقاش متباين وحاد امتد عدة شهور في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، وما بين المكاتب السياسية لمكونات الفدرالية، وفي الصياغة النهائية لم يدمج محمد مجاهد، باعتباره عضوا في لجنة الصياغة، المقترحات التي طلب مني أن أقدمها له مرتين (كخلاصات مداولاتنا في المكتب السياسي): المرة الأولى بادعائه أنها تعرضت للإتلاف، والمرة الثانية لم يأخذ منها إلا مقترحا وحيدا يتعلق بعلاقة الفدرالية بالتضامن الأممي والقضية الفلسطينية.
 
وبعد الجولات في الجهات لمناقشة الورقتين، والمناقشة في المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد (للمصادقة عليها)، والتي تميزت بالتوجه الغالب لأعضائه بعدة ملاحظات وانتقادات أبرزها عدم قبول المسألة المتعلقة بانفراد الفدرالية بالقضايا الثلاث (الوحدة الترابية، الانتخابات، الدستور)، وعوض ذلك استبدالها بالتنسيق السياسي بين مكونات الفدرالية. وأمام حدة الإصرار على هذه المسألة وقضايا أخرى (فكرية وسياسية وتنظيمية) بطبيعة الحال، خلص المجلس الوطني إلى أن تُرفع توصيات بهذا الشأن إلى الهيأة التنفيذية باقتراح من محمد الساسي.
 
في اجتماع الهيأة التنفيذية، قدمت كل من الرفيقة نبيلة منيب والرفيقين عبد الرحمان بنعمرو وعبد السلام لعزيز، كل واحد من جانبه، تقريرا أكدوا فيه المصادقة من حيث المبدأ على الوثيقتين، وفي هذا الإطار قمت بتقديم توصيات واعتراضات المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، بالرغم من محاولة محمد مجاهد منعي من الكلام بشكل هيستيري (هذا توصيف لسلوكه المتواتر في عدة مناسبات)، بدعوى أن الأمينة العامة قدمت التقرير وكفى، وقد كان جواب الرفيقين بنعمرو ولعزيز أنه لا يمكن جمع الهيأة التقريرية مرة أخرى للبث في هذه القضايا الخلافية ما دام أن المشاريع قابلة للمراجعة في ما بعد، وقد بادرني الرفيق عبد السلام لعزيز بالقول إنني متشائم، وأجبته بأن تشاؤمي هو تشاؤم العقل مع تفاؤل الإرادة. وقد تم التنكرُ لهذه التوصيات والاعتراضات وتجاهلُها داخل الحزب الاشتراكي الموحد، ولنا أن نتساءل: ألا يعتبر ما يجري اليوم سببه ذلك التجاهل؟
 
السياسة ليست سلعة
 
ومع ذلك، ظل محمد الساسي يبشرنا بالحزب الاشتراكي الكبير، الذي سيخلق رجة في المشهد السياسي المغربي، باعتباره تحضيرا لعرض حزبي جديد، سيقدم عرضا سياسيا جديدا، ويشكل بذلك مركز استقطاب الرأي العام، وكل المناضلين (بالإضافة إلى مكونات الفدرالية) الذين انسحبوا أو جمدوا عضويتهم في أحزاب اليسار التقليدي أو الذين خلقوا جمعيات ذات طابع سياسي؟! كأن الأمر يتعلق بسلعة جميلة سيتم عرضها على الزبناء.. والحال أن الخط السياسي ومشروع التغيير الديمقراطي تتم بلورتهما مع قوى التغيير... وهنا لابد من التأكيد على أن أفق تفكير محمد الساسي بقي محصورا في الدوران حول فلك الاتحاد الاشتراكي، وهذا الأفق مسدود، ومآله في نهاية المطاف ليس إلا إعادة إنتاج ما انتهى إليه.
 
فهل تم الوصول إلى تلك الرجة المبتغاة؟
 
ظل محمد الساسي يبشرنا بالحزب الاشتراكي الكبير، كأن الأمر يتعلق بسلعة جميلة سيتم عرضها على الزبناء.. والحال أن الخط السياسي ومشروع التغيير الديمقراطي تتم بلورتهما مع قوى التغيير... وهنا لابد من التأكيد على أن أفق تفكير محمد الساسي بقي محصورا في الدوران حول فلك الاتحاد الاشتراكي
 
إن ما جرى راهنا داخل الحزب الاشتراكي الموحد من سيناريو رديء الإخراج، بدءا بما يسمى "تيار اليسار الوحدوي"، هو خطوة غير محسوبة النتائج وأعطت نتائج عكسية وتوجت بعملية انشقاقية مموهة، وأصبح الرأي العام منشغلا بهذا التصدع وتداعياته السلبية وما صاحبه من صراعات حلقية والتراشق بالسب والشتم...
 
لقد سقط رهان العرض الحزبي الجديد والعرض السياسي الجديد وبالاستتباع سقط وهم الحزب الاشتراكي الكبير...
 
لا يجب سب وشتم المستقبل
 
هناك إشكالات حقيقية لا يمكن التغاضي عنها تستدعي نقاشا عميقا مبنيا على الإقناع والاقتناع، وفي هذا الإطار وللتذكير، فقد سبق لمناضلين ومناضلات بالحزب الاشتراكي الموحد أن وقّعوا عريضة سنة 2015 لتفعيل توصيات وقرارات المؤتمر الوطني الثالث، واعتبرهم التقرير التنظيمي المقدم آنذاك للمجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، أنهم انخرطوا في الحملة المخزنية المسعورة ضد الحزب (فقط لأن الصحافة تكلمت حول ما يجري)، وتم التصويت عليه؟؟؟ ورغم استقالة بعضهم من الحزب، فلم يجنحوا إلى ما يسيء إلى العلاقات النضالية رغم قساوة الادعاء. مع العلم أن تلك التوصيات والقرارات هي نفسها كقضايا ما زالت عالقة ويتم التهرب من مناقشتها.
 
وبالتالي، فإن ما وقع من تصدع يتحمل الجميع مسؤوليته، ويجب البحث في الأسباب الكامنة في المنطلق الذي انبنت عليه الفدرالية وليس في النتائج المتولدة عنه، وكان من المفروض أن يتم الفراق رفاقيا كما تم اللقاء رفاقيا، عوض التجييش الحلقي والتجييش الحلقي المضاد، إذ لا يجب سب وشتم المستقبل...
 
اليسار المناضل أوسع من الفدرالية
 
علينا الإقرار بأن النظام السياسي المخزني ببلادنا قد تمكن من تسديد ضربات موجعة طالت مختلف مكونات اليسار والقوى الديمقراطية، ولقد تغولت الأجهزة الأمنية بشكل لم يسبق له مثيل، ناهيك عن استقواء هذا النظام بالكيان الصهيوني. هذا المعطي يجب أن يستفز الجميع للقيام بمراجعات نقدية عميقة على كافة المستويات، وخاصة ما يتعلق بأدائنا السياسي من أجل القيام بنقلة نوعية لاستعادة زمام المبادرة السياسية.
 
لقد تحمّلنا تبعات المواقف التي عبرنا عنها قبيل اندماج 2002، ولا يهمنا اليوم إن أنصفنا التاريخ، بقدر ما يهمنا سمو العلاقات الرفاقية باختلافاتنا كيفما كانت الظروف العصيبة، لنتقدم إلى الأمام بخطى ثابتة من أجل تحقيق أهداف شعبنا، وهذا هو الأهم
 
وفي هذا السياق، يلزم التحرر من حكايا "المجيمعات" المرتبطة بتجارب خاصة ومعانقة تاريخ اليسار المتعدد في شموليته. ضمن هذه الرؤية وهذه السيرورة، في ارتباط مع دينامية الحراكات الشعبية والحركات الاجتماعية والاحتجاجية، تتم إعادة تأسيس اليسار بمختلف مرجعياته (الديمقراطي-الاجتماعي، الإصلاحي، والثوري)، ففدرالية اليسار جزء من هذه السيرورة، وبالطبع النهج الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد والمناضلون والمناضلات اليساريون المتواجدون في مختلف حقول الصراع الطبقي...
 
هذا الخيار يفرض نفسه على الجميع لإحداث القطيعة مع الخلط والغموض، والانتظام المؤسس على الوضوح والمواجهة الجماعية للمستجدات الجارية محليا وجهويا ودوليا رغم اختلاف مواقعنا.
 
ولا يمكن أن نواجه غطرسة السلطة السياسية بالاستجداء على غرار ما عبر عنه محمد الساسي، في ختام مقاله حول ما يتعرض له الصحافيون، حيث قال: "... والله لقد أصبحنا ومواقفنا المعتدلة في حرج بكثرة هذه القضايا المسيئة للبلد"...
 
إن هذه الرؤية وهذه المواقف ليست وليدة اليوم، بل تضرب بجذورها منذ ما اصطلح عليه بـ"التجميع" مرورا بالموقف الصلب الذي عبرنا عنه قبيل اندماج 2002، إلى يوم الناس هذا، وتحمّلنا تبعات هذه المواقف، ولا يهمنا اليوم إن أنصفنا التاريخ، بقدر ما يهمنا سمو العلاقات الرفاقية باختلافاتنا كيفما كانت الظروف العصيبة، لنتقدم إلى الأمام بخطى ثابتة من أجل تحقيق أهداف شعبنا، وهذا هو الأهم.