الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

اليساري سمير أمين تحفّظ على ثورات الربيع العربي وأشاد بتعامل النظام المغربي مع حركة 20 فبراير

 
 
فاطمة حوحو
 
 
أشهر اقتصادي عربي نظّر لشيخوخة الرأسمالية
 
على مدى سنوات وعقود، في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، احتل المفكر الاقتصادي الكبير سمير أمين ونظرياته وتحليلاته ونقده الرأسمالية، هو الذي وجد في الماوية ملاذا، اهتمام العالم العربي لا سيما ماركسييه ويسارييه، كما العالم الغربي الذي يقدر قيمة العلماء، كان سمير أمين الذي غادرنا يوم الأحد في 12 غشت الجاري، في باريس، وهو من أم فرنسية وأب مصري، من أشهر الثوريين والمحافظين أيضا، له إنتاج فكري هائل، شرح في كتبه العديدة، تطور البنى المجتمعية وسعى إلى تطوير النظرية الماركسية، محاولا استخلاص النتائج من التجارب العالمية المتعددة لبناء المجتمعات الاشتراكية.
 
وقف أمين ضد الناصرية وكان من أبرز منتقديها، عرف أيضا كمناضل ثوري يسعى إلى تطوير المجتمعات العربية وتقدمها، لم يكن يكف عن التفكير وتحليل الظواهر والأحداث والمواقف، عقل لا يتوقف عن العمل ويجهد في إيجاد الأجوبة المناسبة لإزالة المعوقات بهدف تحقيق التغيير الضروري وكيفية مواجهة الواقع من أجل التقدم بالمجتمع.

يعد سمير أمين أحد أبرز دارسي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العالمية، غاب عن عمر يناهز الـ 87 عاما، وهو كان قضى سنوات عمره الأخيرة في السنغال، وقد نعاه حزب التجمع الوطني في مصر، ووزارة الثقافة المصرية والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، الذي أوضح رئيسه حبيب الصايغ في بيان النعي أن الراحل كان مفكرا "انحاز إلى الفقراء، وساهم في تنمية اقتصاديات دول فقيرة في أفريقيا، وتصدى لمقولات عديدة سائدة عن التنمية والتحديث وخطط المؤسسات المالية الدولية".
 
 
الرأسمالية شاخت يا عالم!
 
آخر مؤلفات سمير أمين كان قد صدر منذ أسابيع عن دار الفارابي في بيروت باللغة العربية وعن منشورات ديلغا الفرنسية، وهو كتاب "مئتا عام على ميلاد ماركس"، هو الذي أخذ عن الماركسية أدواتها الاقتصادية وليس السياسية والفلسفية، فهو فتح بذلك باب المعرفة الاقتصادية في قضايا العالم العربي وتقاطعها مع السياسة والفكر، عاملا على تطوير النظرية الاقتصادية الماركسية وتطبيقاتها العملية ومجددا في أفكارها ومعانيها.
 
كان الاقتصادي العربي الشهير، أحد وجوه علم الاقتصاد في فرنسا أيضا، حيث درس وعاش معظم حياته. وهو الذي عرف بأحد منظري مناهضة العولمة في الفترة الأخيرة.
 
كتب يوما أن هناك "عالما جديدا بصدد التشكل، بوسعه أن يصير أكثر وحشية، لكن قد يصبح أيضا أفضل"، واعتبر أن "الرأسمالية الشائخة قد تقود إلى عصر جديد من حمامات الدم"، وفي تفسيره إنه "لم يعد هناك مقاولون مبدعون، بل سماسرة، متآمرون. فالحضارة البورجوازية، مع نظام قيمها الذي يمدح طبيعيا المبادرة الفردية، ثم الحقوق والحريات الليبرالية، بل وحتى التضامن على المستوى الوطني، ترك المكان إلى نظام دون قيم أخلاقية. أنظروا إلى رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية المجرمين، ثم الدمى والتكنوقراطيين المشرفين على الحكومات الأوروبية، وكذلك مستبدي الجنوب، الظلامية طالبان، طوائف مسيحية وبوذية… ، الفساد المعمم (في العالم المالي خاصة…). بوسعنا إذن وصف الرأسمالية اليوم بالشيخوخة، والتي يمكنها تدشين حقبة جديدة من الجرائم. في ظل حقبة كهذه، تؤدي احتجاجات الحركات المجتمعية إلى تغيرات سياسية صوب الأفضل أو الأسوأ، فاشيين أو تقدميين. مثلا أزمة سنوات 1830 قادت نحو الجبهة الشعبية في فرنسا، لكن كذلك النازية في ألمانيا".
 
أما عن وضع الحركات الثورية الحالية؟ فقد أشار إلى "إننا نعيش حقبة ترتسم وفقها موجة حروب وكذلك ثورات. هل سينجح ضحايا هذا النظام في تشكيل تناوب إيجابي، مستقل وراديكالي؟ إنه رهان اليوم سياسيا. يلزم على اليسار الراديكالي اتخاذ مبادرة بناء جبهة، وكتلة مناهضة للاحتكارات تضم كل العمال والمنتجين ضحايا أوليغارشيات الاحتكارات الشاملة"، مؤكدا "إننا نعيش لحظة تاريخية يلزم خلالها أن يكون اليسار الجذري شجاعا. يسار مقتنع بضرورة تجاوز النظام الرأسمالي جوهريا أيضا، يسار يركز نظره على ضرورة ابتداع اشتراكية لا تكون بالضرورة نموذجا موجودا سلفا. تقوم في بلدان الشمال، الشروط الموضوعية من أجل فصل رأسمال الاحتكارات. هذا يبدأ بتحالف اجتماعي وسياسي يضم الأغلبية الساحقة. لكن انعدام الشجاعة لدى اليسار في الوقت الحالي أمرا فظيعا. إن منطق "الأقل ضررا"، المفروض من طرف أوروبا يشكل بامتياز دليلا على ان أوروبا، ليست جيدة، بيد أن تدميرها سيكون أكثر سوءا، لكن الذهاب ضمن سبيل الأقل سوءا، يعني أن نبلغ في نهاية المطاف الأكثر سوءا".
 
شيوعي منذ السادسة
 
سمير أمين ولد في إحدى قرى الدلتا، مصر عام 1931، والداه طبيبان، وعندما أصيب بمرض الصفراء بعد ولادته مباشرة وبعد بلوغه عامه الأول اقترحت فلاحة من القرية دعوة الأسرة الصغيرة إلى منزلها لعلاج الصغير، ووافقت والدته على الاقتراح بحثا عن وسيلة للشفاء. جاءت الفلاحة ببعض الأعشاب. وبعد بضعة أيام، شفي الطفل العليل، لكن كي يشفى تماماً، طلب الأطباء ألا يتناول أنواعاً محددة من الطعام حتى سن البلوغ، مثل الحلوى والشوكولاتة والقشدة. منذ طفولته، درّب نفسه على ضبط النفس: «كان أصدقاء العائلة يندهشون من إرادتي القوية عندما يلاحظون رفضي تناول أي قطعة حلوة عندما أكون برفقة أطفال آخرين» كما اعترف مرة.
 
عاش طفولته في بورسعيد، ومرة رأى طفلاً صغيراً يبحث عن الطعام في القمامة. سأل والدته عن السبب، فكانت إجابتها "لأنّ المجتمع سيّئ يفرض ذلك على الفقراء". وبحماسة طفل أجابها: «سأغيّر هذا المجتمع». ضحكت الأم وقتها... بعد أربعين عاماً، حكى سمير أمين هذه القصة لأحد أصدقائه الذي كان يسأل الأم متى صار سمير شيوعياً، فأجابه: "كما ترى منذ سن السادسة".
 
في مذكراته يشير الأمين إلى جده الذي ناهض الاستعمار الإنكليزي، وإلى والده الذي كان "يكره الملكية ويتمسّك بالقيم العلمانية". وعندما قامت ثورة 23 يوليو وأيدها الشيوعيون المصريون وكان من بينهم والدي، قال له جدّي: «أنتم تسيرون في الطريق الخطأ. هؤلاء العسكر محدودو النظرة، فاشيون مسلمون متعصّبون لا أكثر».
 
موقفه من الثورات العربية
 
أثارت مواقفه من الثورات العربية جدلا في أوساط النخب الفكرية الماركسية، إذ اعتبرت مواقفه محافظة، فهو اعتبر أن "ما جرى في مصر لم يكن متوقعاً. كنت أرصد غلياناً في الشارع توقعت أن يؤدي إلى إصلاحات، لكن الأنظمة لم تلتفت إلى ضرورة الإصلاح، فكانت الثورات». واعتبر أن ما جرى في مصر «أكبر من انتفاضة وأقل من ثورةِ». يضحك: «هو مجرد خطوة ثورية، تليها خطوات أخرى. كي نسمي ما جرى ثورة، لا بد من تحقيق ثلاثة أشياء: العدالة الاجتماعية، ولن يحدث ذلك إلا بسياسة اقتصادية مختلفة عما كان سائداً. ثانياً، ديموقراطية حقيقية للمجتمع، وهذه أكثر من مجرد انتخابات بل دمقرطة للعلاقات الاجتماعية في العائلة والعمل. وثالثاً تحقيق استقلالية للوطن في المنظومة العالمية. وللأسف الثورة لم تحقّق أياً من هذه الأهداف حتى الآن. لكنها كأهداف موجودة بقوة في أذهان الشباب".
 
وكان قد توقع ان "يتخذ الحراك السياسي في المغرب والجزائر أشكالاً أخرى بخلاف مصر وتونس، «لأنّ النظامين أدركا ما لم يدركه نظام الأسد بأن الإصلاح أفضل من المواجهة". أما في سوريا، فاعتبر أن "النظام خسر شرعيته. لقد واجه الأسد التدهور بمزيد من العنف البوليسي، لكن للأسف، فالمعارضة السورية ليس لديها برنامج. مطلبها الوحيد هو رحيل بشار الأسد، وأي حركة من دون مطالب ستعطي شرعية كبيرة للإخوان المسلمين".
 
ورأى أمين أنّ ما حدث في ليبيا يرقى إلى مستوى المؤامرة الغربية، عكس ما جرى في تونس ومصر: «الحركة في ليبيا لم تبدأ بتظاهرات، بل بأسلحة. وفوراً، تدخّل الناتو. وهو الأمر الذي يطرح علامات استفهام».
 
كتب وإصدارات سمير أمين
 
أصدر د. سمير أمين خلال نصف قرن تقريباً كتباً عدة، ألف بعضها بالعربية مباشرة، وبعضها بالفرنسية أو الإنجليزية، وترجم إلى العربية. ومن أبرز كتبه: «التراكم على الصعيد العالمي»، و «التطور اللامتكافئ»، و «الطبقة والأمة في التاريخ». وقدم مجموعة من القراءات لعدد من القضايا الاساسية، مثل العلاقة بين المركز والاطراف، التبعية والعوالم الأربعة، ومحاولة لتجديد قراءة المادية التاريخية وأنماط الإنتاج.
 
سيرة مقتضبة
 
قضى سمير أمين طفولته في بور سعيد وحصل على شهادة الثانوية عام 1947 من مدرسة فرنسية، وبعدها غادر إلى باريس ليدرس فيها حتى العام 1957 حيث حصل في عام 1952 على دبلوم في العلوم السياسية، قبل أن يأخذ شهادة التخرج في الاحصاء 1956 والاقتصاد 1957 ويعود إلى مصر حاملا شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من السوربون.
 
خلال العام 1951-1951 انتسب أمين إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، إلا أن الماركسية السوفياتية لم تثر إعجابه، فاقترب من الحلقات الماوية في الحركة الشيوعية.
 
اجتذبته الحركة الطالبية التقدمية في مصر باكراً، بعد الحرب العالمية الثانية، واجتذبته نضالات شعوب الشرق الآسيوي في نهاية الأربعينات، وفاجأته، وهو شاب متحمس، حركة الضباط الأحرار في مصر في العام 1952. بعد أن عاد إلى مصر حاملاً الدكتوراه عمل في المؤسسة الاقتصادية الحكومية لمدة ثلاث سنوات، ثم غادرها عام 1960 إلى باريس بسبب أزمة الحركة الشيوعية مع عبد الناصر. ليتحول إلى كاتب بالفرنسية لدراسات اقتصادية، ثم خبيراً ومسؤولاً لبرامج تنموية قادته إلى الكثير من البلدان الافريقية وغير الإفريقية، في نشاط عملي، تحت ظل مؤسسات الأمم المتحدة. فمن فرنسا إلى مالي ثم السنغال وجولات في أفريقيا والعالم أغنت فكره ونضاله بالخبرات. كتب عن "مصر الناصرية" ونشره باسمه الحركي حسن رياض. إذ رأى أنّ "غياب الديموقراطية كان عيباً رئيساً في نظام عبد الناصر "أمّم السياسة وألغى الأحزاب، ما أوجد فراغاً ملأته جماعات الإسلام السياسي".