الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

من "جوار حذر" بين الرباط ومدريد إلى توتر متصاعد

 
د. جمال المحافظ
 
يبدو أن الأزمة الجديدة، التي دخلتها العلاقات الإسبانية المغربية على خلفية تسلل عدد من مواطنين مغاربة ومن جنسيات إفريقية إلى مدينة سبة المحتلة، وتعرض عدد كبير منهم لاعتداءات من طرف قوات الأمن الإسبانية، مرشحة في الأيام المقبلة لمزيد من التوتر الذي طفا على السطح بعد سماح السلطات الإسبانية لإبراهيم غالي زعيم جبهة "البوليساريو" الانفصالية، دخول أراضيها بهوية وجواز سفر مزور بدعوى تلقي العلاج في إحدى المستشفيات العمومية الإسبانية.
وإذا كانت السلطات المغربية قد عبرت عن استيائها الشديد من سلوك الحكومة الإسبانية باستضافة إبراهيم غالى، الذي عللته هذه الأخيرة بـ"دواعي إنسانية"، فقد تطور هذا التوتر إلى حد قيام المغرب باستدعاء سفيرته بمدريد إلى الرباط للتشاور. إذ يلاحظ أن هذه الأحداث المتسارعة لم تتعامل معها السلطات الإسبانية بالجدية اللازمة لإزالة أسباب هذا التوتر، بل أكثر فهي لم تعر أي اهتمام بالمتابعة التي فتحها القضاء ضد إبراهيم غالي المتابع بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والاغتصاب، وهو ما أدى إلى التضحية بعلاقاتها الاستراتيجية مع جارتها الجنوبية المملكة المغربية المرتبطة معها باتفاقات ثنائية مهمة تشمل قطاعات حيوية أمنية واقتصادية وسياسية وثقافية، علاوة على ما يربط البلدين من علاقات تاريخية وقرب جغرافي...
وازداد الوضع تعقيدا في أعقاب التعامل الإسباني المهين مع مغاربة وأفارقة من بلدان جنوب الصحراء ولجوا مدينة سبتة المحتلة وتصدت لهم قوات الأمن وعناصر الجيش الإسبانية، التي استعملت في حقهم القوة المفرطة بل تعدت غالبيتهم إلى الفنيدق، جنوب سبتة المحتلة، مع احتجاز القاصرين منهم في "غيتوهات" بالمدينة السليبة، في ظروف لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الشروط الإنسانية.
ليس الغرض الغوص في دواعي هذه الأزمة، ولكن التأكيد، من جهة، على أنه آن الأوان لطرح مختلف المعوقات التي ساهمت في هذا التوتر الجديد، ومن جهة ثانية، على أن يعتمد المغرب سياسة خارجية واقعية تجعل من مصالحه الاستراتيجية فوق كل اعتبار، مع اعتماد مواقف واضحة لا لبس فيه حول مصير ومستقبل علاقاته مع جاره الشمالي.
ويأتي في مقدمة هذه الاستراتيجية فتح، وبدون تأخر وتردد، ملف استرجاع مدينتي سبتة ومليلية والثغور المحتلة، وذلك وفق مقاربة جديدة مبدعة، وبدون مواربة وتأجيل، إذ لم يعد مفهوما، في ظل التحولات المتسارعة، التي يشهدها المجتمع الدولي، الذي ينحو بشكل أكبر في تجاه احترام الوحدة الترابية للدول ونبذ الاحتلال، إذ لم يعد مفهوما أن تظل إسبانيا البلد الأوربي، تواصل سيطرتها على الثغور المغربية، التي تعد آخر المعاقل المستعمرة بالقارة الإفريقية، وهو ما يتطلب دينامية دبلوماسية مغربية رسمية وشعبية تدرج مختلف الأبعاد، وتتولى التحسيس والتعريف بهذه القضية، بهدف حشد التأييد الإقليمي والجهوي والدولي لهذا الملف المشروع بحكم التاريخ والجغرافيا والقانون.
بيد أنه على خلاف ما شهدته العلاقات المغربية الإسبانية من توتر، خاصة خلال فترات حكم اليمين الإسباني (أزمة جزيرة ليلى نموذجا)، فإن مرحلة الانتقال الديمقراطي الذي دشنته إسبانيا سنة 1975 والتخلص من ديكتاتورية فرانكو، قد شهدت نوعا من انفتاح طيف من الطبقة السياسية، على حقائق الساحة المغربية، وهو ما ساهم في تحسين صورة المغرب في وسائل الإعلام ومن خلالها لدى فئات عريضة من الرأي العام، متجاوزين في بعض الأحيان النظرة النمطية السلبية التي تحكمت في مواقف إسبانيا تجاه المغرب.
ولكن على الرغم من ذلك، ارتبطت جل الأزمات التي عرفتها العلاقات بين البلدين، بملفات تتعلق أساسا بقضية الصحراء والصيد البحري والفلاحة والإرهاب والمخدرات والهجرة، وهو ما يتطلب من الرباط مستقبلا عوض الاقتصار على القضايا محل اتفاق بين البلدين، طرح على الطاولة أيضا القضايا الخلافية، كما سبق أن عبر عن ذلك فليبي غونزاليس زعيم الاشتراكين السابق في لقاء متميز كانت قد نظمته النقابة الوطنية للصحافة المغربية بقاعة أحمد بلافريج بمقر وزارة الشؤون الخارجية بالرباط، وذلك بعيد تشكيل حكومة التناوب سنة 1998 بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، والذى شاركت فيه فعاليات من البلدين حكومية وسياسية وإعلامية.
 
فيليبي غونزاليس يتوسط قيادة نقابة الصحافة آنذاك وفي أقصى اليمين يظهر الزميل جمال المحافظ
 
ويبدو أن هناك عوامل حالت دون تطوير العلاقات بين البلدين، منها التردد الذي أبانت عنه المواقف الإسبانية بخصوص نزاع الصحراء والمبادرة المغربية للحكم الذاتي وهي المسألة التي شكلت على الدوام "قضية رأي عام إسباني وورقة انتخابية"، حسب عدد من الباحثين والإعلامين. غير أن بعض الأحداث عجلت بوعي الطرفين بضرورة، بل وحتمية خلق آليات التعاون المشترك، خاصة بعد العمليات الإرهابية التي طالت كلا من الدارالبيضاء في 16 ماي 2003 والعاصمة الإسبانية مدريد في 11 مارس 2004، وهي اعتداءات خلقت وعيا مشتركا بالمخاطر التي تشكلها التنظيمات والخلايا الإرهابية بالبلدين، والتي تطلبت تعاونا أمنيا مكثفا.
 
المغرب يظل رقما رئيسيا في السياسة الخارجية الإسبانية
وإذا كانت المرحلة التي تمر منها العلاقات المغربية الإسبانية، حاليا توصف بأنها جد حرجة، فإن المغرب سيظل مع ذلك "رقما رئيسيا في السياسة الخارجية الإسبانية (...)، وأن القرب الجغرافي، لم يساهم في القرب العاطفي والسياسي بقدر ما يعزز الحذر بين الطرفين، نتيجة جروح الماضي التي تستمر حتى الآن وتنفجر بين الحين والآخر"، كما كتب الإعلامي المغربي نبيل دريوش في مؤلفه المتميز الذي اختار له عنوان "الجوار الحذر".
ومما يزيد من تعميق هذا الخلاف بين البلدين، تعاطي وسائل الإعلام الإسبانية مع القضايا الحيوية للمغرب، ومعالجتها التي تتسم في كثير من الأحيان بأسلوب الإثارة وعدم الموضوعية، هو ما يساهم بشكل كبير في تكريس الصورة النمطية السلبية عن الجار الجنوبي.
 
الإعلام الإسباني يصب الزيت على النار
فالإعلام الإسباني، على ما يبدو، لم يتمكن لحد الآن من التخلص من النظرة الاستعلائية التي سادت خلال مرحلة الاستعمار، الذي فُرض على جزء من التراب المغربي، مما يرسخ صورة سلبية لدى الرأي العام الإسباني عن المغرب، والتي لا تختلف عن النظرة ذاتها التي تحاول بلدان أوروبية إلصاقها بالبلدان المغاربية والعربية والإسلامية، والتي تمتح من الأحكام المسبقة، وتحليل المتغيرات الراهنة بالبلدين بناء على تصورات متهالكة، في الوقت الذي كان يفترض أن يشكل الإعلام لبنة رئيسة في تعزيز العلاقات بين البلدين.
وفي هذا الصدد، انتقدت النقابة الوطنية للصحافة المغربية، بشدة ما وصفته بـ"السلوك العنصري" في "تعاطى بعض وسائل الإعلام الإسبانية مع الأحداث المرتبطة بعبور مغاربة ومن جنسيات إفريقية أخرى لمعابر مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وما رافقه من ممارسات مؤسفة مست جوهر الكرامة الإنسانية"، حيث "قاد الحماس القومي -تضيف النقابة- بعض المنابر الإسبانية، لارتكاب مجازر في أخلاقيات المهنة، وذلك بنشر أكاذيب تغذي العنصرية المقيتة".
وأبرزت النقابة أن مؤسسات إعلامية عمدت كذلك إلى "التغطية على عنف وعنصرية الجيش والشرطة الإسبانية"، منها "محاولة جريدة (البايس) نشر مقالات متعددة لضخ محتوى مليء بالتمييز في محاولة لتحريف الوقائع على الأرض والذي لا يعكس الحقيقة.. مع استخدام خطاب العنصرية". ونددت "بهذا الانزياح الإعلامي والسلوك العنصري الذي مورس في صياغة مواد إخبارية، تقوم على الكذب... وسلوك المسؤولين الإسبان الذي استباح كرامة المهاجرين واستغلال القاصرين"...
 
الحاجة إلى إعادة تقييم شامل لعلاقات البلدين
ففي ظل الأزمة الراهنة، التي كانت، في حقيقة الأمر، الشجرة التي تغطى الغابة، كما يقال، فإن المطلوب إعادة تقييم جذري لمجمل علاقات المغرب بجاره الشمالي ومراجعة الاتفاقيات الثنائية على أسس واضحة وواقعية تضع نصب أعينها المصالح الاستراتيجية الوطنية، بغية التوصل إلى آلية مشتركة قادرة على نبذ الصراعات وتجاوز الخلافات، في ظل الاحترام المتبادل وتعزيز قيم السلم والأمن وحسن الجوار.
فالأزمة الراهنة بين المغرب وإسبانيا تسائل، في حقيقة الأمر، مختلف المبادرات الرسمية والمدنية المشتركة، التي تم اتخاذها في العديد من المجالات، منها السياسية والثقافية والإعلامية، والتي لربما فشلت فشلا ذريعا، في التقريب بين البلدين الجارين، على الرغم من أنهما حققا سابقا قفزة نوعية في مجالات التعاون، خاصة الأمني ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتطرف والمخدرات، لكن بحكم طبيعة الجوار الذي يشبه السكن في منزل واحد، تولد المشاكل والأزمات بشكل دوري حتى تبدو وكأنها جزء من العلاقات، وهي الأزمات التي كلما ازداد تشابك المصالح فيها سهّل التحكم فيها، وفي المقابل يبقى وجود قضايا عالقة وفي مقدمتها سبتة ومليلية أحد العوامل التي تؤدي إلى تناقض المصالح الوطنية للبلدين في بعض اللحظات، وتجعل الجوار، مهما تقدم، مشوبا بكثير من "التوجس والحذر" كما جاء في كتاب نبيل ديوش الباحث المختص في الشأن الإسباني.
 
كاتب وإعلامي مغربي