الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

ولاء المغاربة اليهود لِمَنْ؟

 
منعم وحتي
 
لقد سال مداد كثير، مؤخرا، في ما يخص اليهود المغاربة، أو بمعنى أدق المغاربة اليهود، لأن الجملتين بحمولتين مختلفتين.. أكيد أن كل تصور، سواء كان يمينيا أو يساريا أو قوميا أو وطنيا، بجانب الشعارات التي تؤطر العناوين الكبرى، من المهم أن يقنع المغاربة بجدوى طرحه، ومصداقيته، وخارطة طريقه، التي يمكن أن تحقق العدالة الإنسانية، دون تنطع أو مزايدة، فالمرحلة دقيقة ومفصلية وتستدعي دقة كبيرة في الرؤية، وإلا ستغلب على أفكارنا الارتسامات والانفعالات، في حين هناك من يرسم خططا واقعية سرية للتنفيذ في أدق التفاصيل.
قبل الخوض في الموضوع، لابد من طرح المعطيات التاريخية والمتوفرة ميدانيا، حتى لا نخطئ طرح المعادلة والأسئلة وتلمس الإجابات.. فأغلب الكتابات التي تؤرخ لتواجد اليهود بالمغرب، تشير لبداية هذا النزوح لبلادنا، منذ حوالي 2000 عام، بعد غلق الامبراطورية الرومانية لمجال انتعاش اليهود والتضييق عليهم، ويسجل التاريخ أيضا تحالفهم في المغرب مع الوندال في منتصف الألفية الأولى، وكذا تنكيل البيزنطيين بهم في فترة لاحقة بالمغرب.. إلا أن المرحلة التي سجلت توافد عدد كبير من اليهود إلى المغرب تعود إلى 500 سنة خلت، إثر هروبهم من الإيبيريين بعد بطش الإسبان بهم، ووجدوا ملاذا آمنا بالمغرب.
وقد تم تسجيل تفاوت في تعامل الدول التي تعاقبت على المغرب مع المغاربة اليهود، حيث تم احتضانهم من طرف المرابطين، واضطهادهم من طرف الموحدين، أما السعديون فقد فتحوا أمامهم باب التجارة والغنى وصياغة المعادن الثمينة.. ونسجل في هذا السياق أن المرينيين أفردوا لهم مكانة مهمة في تدبير أمور ديوان الوزراء المغربي، وتمثيل المغرب لدى الدول الأجنبية القوية.. وقد كان بناء الصويرة في 1764م، في عهد محمد بن عبد الله، علامة فارقة بتخصيص غلبة الطابع اليهودي على المدينة، وإطلاق يد اليهود فيها لتطوير الحرف والتجارة..
كان التعداد السكاني لليهود بالمغرب في سنة 1948 يبلغ 265 ألف نسمة.. وقد انضافت أعداد كبيرة، بعد الاحتلال النازي لفرنسا، وهرب اليهود إلى المغرب من بطش الحكومة النازية بفرنسا، حيث وصل تعدادهم لخُمس سكان المغرب..
إن هذا التمازج الديمغرافي لليهود بالمغرب، وصل حد المصاهرة، والاستبدال في الاتجاهين للديانة، إلى درجة أن بعض الأضرحة بالمغرب لها زوار من اليهود والمسلمين في نفس الآن، وكان هذا التمازج تاريخيا باختلاط العادات والتقاليد، على حد سواء مع القبائل الأمازيغية والعربية.
أمام هذا التعايش المثالي لليهود بالمغرب، والذي يعتبر ظاهرة فريدة، بالمقارنة مع بقية البلدان.. في الوقت ذاته من سنة 1948 بدأت الحركة الصهيونية العنصرية في تنفيذ مخططها العالمي باحتلال الأراضي الفلسطينية وإطلاق مسلسل الإبادة بفلسطين، وبتجميع يهود العالم، عن طريق وكالة التهجير اليهودية، وإطلاق دعاية سامة أنه سيتم تقتيل كل اليهود في الدول العربية.. لم يكن المغرب في منأى عن هذه الدعاية، التي أثارت استغراب يهود المغرب بحُكم التعايش السلمي، والاحتضان الذي لقوه في المغرب، لهذا فقد كانت مؤامرة تهجيرهم من المغرب، عملية إجرامية كبرى اقتلعت مكونا يهوديا أصيلا من تربته المغربية، بعملية قسرية تواطأت فيها الدولة المخزنية مع الحركة الصهيونية.. ومازالت الحكايات تتردد حول هاته الحقبة التي هُجرت فيها أسر مغربية أصيلة بكاملها إلى "إسرائيل"، مع ما رافق ذلك من تمزيق لنسيج التعايش المغربي مع اليهود، إلى درجة أن أسرا عريقة رفضت الانصياع لهذا المخطط، وتشبثت بجذورها اليهودية المغربية، وفضلت البقاء بالمغرب.. فانحصر بذلك التواجد اليهودي بالمغرب في بضعة آلاف حافظوا على نفس انغراسهم في التربة المغربية..
إن هاته اللُّحمة التاريخية، التي تراكمت على مر السنين بين اليهود المغاربة، جعلتهم طائفة متماسكة، بعاداتها وتوارث تاريخها وتوريثه لبقية الأجيال وبالحفاظ على نمط العيش المغربي الأصيل، وهو ما مكنهم أثناء تواجدهم في "إسرائيل" من تشكيل لوبي سياسي ضاغط، وبشكل قوي، أصبح محددا بشكل مفصلي في الخريطة السياسية، فديمغرافيا من أصل كل 6 يهود بفلسطين المحتلة هناك يهودي مغربي، وهم الطائفة الأكثر إنجابا، لهذا فمستقبل قوتهم سيكون في ارتفاع، ويصل تعدادهم الآن إلى مليون و300 ألف نسمة. وللوقوف على حجم التأثير السياسي لهاته الطائفة من أصل مغربي، نورد الأسماء التالية:
- عمير بيرتس، عضو الكنيسيت ورئيس حزب العمال، تولى منصب وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء.
- أرييه مخلوف درعي، السكرتير العام لحركة شاس اليمينية المتطرفة، والذي تولى وزارة الداخلية.
- الحاخام شلومو عمار، المقرب من حركة شاس المتطرفة.
- شلومو عامي، الذي تولى منصب وزير الخارجية ووزارة الأمن الداخلي.
لكن حكومة بنيامين نتنياهو، سجلت أكبر تمثيلية لليهود المغاربة، حيث وصلت نسبة أعضائها من أصل مغربي للثلث:
- آرييه مخلوف درعي: وزير الداخلية.
- أمير أوحنا: وزير الأمن الداخلي.
- دافيد أمسالم: وزير الاتصال بين الحكومة الكنيسيت.
- ميري رغيف: وزيرة المواصلات والبنى التحتية.
- أورلي ليفي أبي قسيس: وزيرة تعزيز المجتمع.
- ميراف كوهين، وزيرة المساواة الاجتماعية.
- ميخائيل بيتون، وزير الشؤون المدنية.
- رافائيل بيرتس، وزير شؤون القدس والتراث.
بعد تدقيق المعطيات التاريخية والديمغرافية والاجتماعية للمغاربة اليهود واليهود من أصل مغربي، يُطرح السؤال المؤرق الذي يقتضي الإجابة عنه: هاته القوة الضاغطة والقوية جدا لليهود المغاربة، ولاؤها لِمَنْ؟
أكيد أن الترسانة القانونية المغربية لا تُسقط عنهم الجنسية المغربية، بحيث يحق لهم امتلاك جوازات سفر وجنسية مغربية والعودة للمغرب، لكن السؤال الحقيقي في مكان آخر: ما موقعهم السياسي والإنساني مما يجري في فلسطين وما يجري في المغرب، حتى نتمكن من أن نموقعهم في صف العدالة الإنسانية بطعم مغربي أو في صف مجرمي الحرب بنكهة صهيونية؟
إن الخطاب الرسمي المغربي كان مزدوجا، بتأكيده على أواصر الارتباط بالطائفة اليهودية المغربية، وكذا استمرار دعم الدولة للقضية الفلسطينية كمعركة عادلة لتحرير فلسطين وبناء دولتها. السؤال المطروح: كيف سيجيب الخطاب الرسمي أمام تورط جزء من المغاربة اليهود في جرائم الإبادة ضد الفلسطينيين؟ هل يستطيع فرض خطة ضغط تقود اللوبي المغربي اليهودي في "إسرائيل" للانخراط في معركة تحرير فلسطين؟، ولا يخفى أن هناك مجموعات دينية ومدنية وفكرية وسياسية يهودية في العالم تناصر القضية الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني وتدين جرائمه.. إن المعادلة ضبابية خصوصا أن التشكيلة أعلاه لسلطة المغاربة في الكيان الصهيوني تتمركز يمينا بل في جهة اليمين المتطرف، وفي مناصب الداخلية والدفاع والأمن الأكثر حساسية.. ويساهم هذا اللوبي في تأصيل أسس "إسرائيل" كدولة قومية لليهود، هل يستطيع الخطاب الرسمي استمالة ولاء اليهود المغاربة لتبني القضية الفلسطينية؟، خصوصا أن الإشكال معقد مع عرب 1948، وكذا بتداخل الجغرافية والديمغرافية في أراضي 1967، إنها أسئلة إشكالية حول الولاء تتجاوز منطق السياحة وعودة الأبناء لأرض الأجداد.
بالنسبة لخطاب رفض التطبيع ومقاطعة البضائع "الإسرائيلية"، هما شعاران مبدئيان رفعناهما منذ مدة طويلة لتوفير السند والدعم للقضية الفلسطينية وهي قضية عادلة، لكن بقي الشعاران بدون فعل ملموس يستطيع أن يساعد الفلسطينيين على مستوى الفعل، خصوصا أن معطيات الأرض في فلسطين المحتلة تغيرت على مستوى تفتيت حركة المقاومة الفلسطينية، وانهيار الدور الريادي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكذا التحولات الديمغرافية بفلسطين وفي مناطق نفوذ الكيان الصهيوني، زيادة على ترهل وانبطاح طوق الدول الداعمة في محيط فلسطين، وتراجع الحركة التقدمية العالمية التي كانت سند وظهر المقاومة الفلسطينية، بالإضافة إلى تمويه الصراع الحقيقي بتحويله من معركة تحرر من الاستعمار الصهيوني، لثنائية دينية مبتذلة: يهودي/مسلم. إن الوقوف عند هاته المعادلة المركبة، يقتضي من الحركة التقدمية العالمية، رسم خطة موحدة دوليا، تستند لرؤية فلسطينية واضحة حول الحل المعتمد، نتعبأ لها بشكل عملي وواقعي وميداني، ولن تشمل الخطة العالمية فقط العرب، بل أيضا الأوربيين والأمريكيين الجنوبيين وذلك بفتح تحالف دولي شبيه بمشروع مؤتمر القارات الثلاث، بطرح رؤية دقيقة لحل الدولتين، على أساس اعتبار اليهود غير الصهاينة جزءا من الحل، وعلى التقدميين المغاربة، وضع تصور متكامل لاستمالة ولاء المغاربة اليهود لتبني القضية العادلة لتحرير فلسطين وإرساء دولتها المستقلة وعودة اللاجئين ووضع القدس، وعلى اليهود من أصول مغربية تذكر مراحل التنكيل التي مروا بها، لتمثل عدالة القضية الفلسطينية، فهناك جزء من اليهود عالميا هم عمق الإشكال، وهناك جزء آخر من اليهود سيكون مهما ربط الأواصر معهم لتثبيت الحقوق الفلسطينية ورفع احتمالات السلام.. مرحبا بيهود العالم والمغاربة منهم الذين يناصرون القضية العادلة لحقوق الفلسطينيين.
في النهاية، أستعير قصة من جدار أحد أصدقائي في نفس السياق، مفادها:
"كان هناك رجل فلسطيني يشتغل عند "الإسرائيليين"، قصير القامة لكن مقاس حذائه كان كبيرا، انتبه أحد الجنود الإسرائيليين إلى الأمر فارتاب من ذلك، فأمر الفلسطيني أن ينزع حذاءه، فتش "الإسرائيلي" الحذاء فلم يعثر على شيء، ولكي يواصل إهانته للفلسطيني أمره أن يترك الحذاء ويذهب ليحضر له الشاي..
ذهب الفلسطيني وأحضر الشاي للجندي "الإسرائيلي"، أخذ حذاءه وانتبه إلى أنه مبتل ورائحة البول تفوح منه.
استمر هذا الأمر طويلا، كل يوم يطلب الجندي "الإسرائيلي" من العامل الفلسطيني أن يحضر له شايا، يعود الفلسطيني ليكتشف أن الجندي تبول له على حذائه دون أن يثير الأمر غضبه، مما دفع الجندي "الإسرائيلي" أن يبادره بالسؤال:
- هل تعتقد، أن يحصل السلام يوما بيننا؟
أجاب الفلسطيني:
- هذا ممكن جدا، يكفي أن تتوقف عن التبول على حذائي وأتوقف أنا على التبول في شايك وسيحصل السلام"...
ملحوظة: من المغاربة اليهود الذين أعتز بحبهم، الكاتب المغربي إدمون عمران المالح، الذي كان رافضا للإبادة الصهيونية للفلسطينيين، حيث قال: "أنا مغربي يهودي لا يهودي مغربي، مناضل عربي وطني، أحمل بلدي المغرب أينما ذهبت".
 
فاعل سياسي ومدني