الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

الإسلام الأمازيغي والعلمانية.. "فصل الدين عن الدولة" مفهوم أمازيغي قديم ظهر قبل دخول الإسلام

 
عبد الله بوشطارت
 
في إطار اهتمامنا بالمرجعية الأمازيغية وشرح ركائزها، يصطدم البعض بالأفكار التي نوردها هاهنا لشرح ما نقصد بالمرجعية الأمازيغية، التي تؤطر المشروع المجتمعي الذي نقترحه وندافع عنه، وهو مشروع ثقافي كبير، يضم برامج الإصلاح والتغيير والتصحيح بشكل بنيوي، في السياسة والاقتصاد والتعليم والمجتمع والثقافة والدين والرياضة واللغة والهوية والصناعة والابتكار والموارد والثروات والديبلوماسية... إلخ.
 
في ما يتعلق بمفهوم الإسلام الأمازيغي الذي مازال الكثير من الناس يتساءلون عن مضمونه والمقصود به، ولفهم بعض الأمور، في هذا الصدد، وجب الذكر أننا لا نقوم بإسقاط بعض المفاهيم والنظريات التي تم نحتها في المجتمعات الغربية أو الشرقية ونقوم بإعادة استهلاكها، كما يروجها بعض الذين توقف تفكيرهم عند دروس الفلسفة المقدمة للتلاميذ في الثانوي أو عند قراءة صفحات مما كتبه العفيف الأخضر أو استنتاجات فرج فودة وغيرهم، مع احترامي الكبير لهؤلاء المؤلفين. بل نحن نغوص في المجتمع الأمازيغي وتاريخه وحضارته وثقافته، ثم نقارنها بما أنتجه العقل البشري في كل بقاع العالم وفي الثقافات الأخرى ونستفيد منها... دون أن نقدس بعض الأفكار التي يتم الترويج لها وبعض المفاهيم التي يبدو أنها هي الحل والخلاص لجميع شعوب واقوام العالم، كالعلمانية والحداثة...
 
إننا لا نجتر تلك الأفكار لافتعال البوز الإعلامي في إطار شطحات بوليميكية زائفة، أو نخوض معارك بالوكالة ضد الإسلاميين... نحن نحمل مشروعا ونؤمن به، نشتغل عليه، نجتهد ونبحث، قد نصيب وقد نخطئ في التصورات والاستنتاجات، ولكن، مؤكد أننا نحمل مشروعا ثقافيا وسياسيا منبثقا من المرجعية الأمازيغية المستوعبة للحضارة والثقافة الأمازيغية.. نخوض النقاشات والسجالات خدمة للقضية وليس لكي تخدم علينا القضية... نريد أن يكون لنا مشروعٌ مستوحى من عمق الحضارة ونبض الثقافة الأمازيغيتين...
 
شخصيا معجب جدا بفلسفة سبينوزا، خاصة في اللاهوت السياسي، ولكن لا يمكن أن اقرأ هذه الفلسفة خارج سياقها الأوروبي وتحديدا هولندا التي ينتمي إليها سبينوزا، وقبله أيضا مارتن لوثر... ومن جاء بعدهم... في المقابل كيف كان الأمازيغ يفكرون في مثل هذه الأمور منذ مدة طويلة، وما الذي أنتجه الأمازيغ داخل الديانات المتعددة المتوافدة على أوطانهم... وقد نعود، في هذا الصدد، إلى سانت أوغوستين، ثم نصعد حتى نصل إلى محمد أركون... وهذا عمل يحتاج إلى وقت طويل ومجهود فكري جبار، إنه ورش ضخم...
 
فحين كان مارتن لوثر في ألمانيا يفكر ويخطط، كان لدينا نحن محند أوسليمان الجزولي الذي أسس الطريقة الجزولية هو الآخر يفكر ويخطط.. الأول أطلق لاهوت التحرير لإعلان عصر النهضة في أوروبا، والثاني اطلق دليل الخيرات وأسس أكبر طريقة صوفية لإصلاح الوضع وحماية المغرب من الاحتلال الأوروبي أدت إلى قيام دولة السعديين من سوس، وهي دولة أمازيغية تعاهد فيها الأمازيغ مع الملك محمد أمغار السعدي، الذي تم تعريبه بمحمد الشيخ السعدي وكان العهد/ أمقن أو ما يصطلح عليه بالبيعة باللغة الأمازيغية في قرية تيدسي بضواحي تارودانت... إذن يمكن أن نقرأ تاريخ أوروبا ولكن في سياقه التاريخي والثقافي...
 
ما يسمى بالعلمانية، بالطريقة التي يتم فهمها حاليا لدى الجميع، هو مفهوم ظهر في سياقات معينة داخل المجتمعات الأوروبية كإفراز موضوعي لمسارات تاريخية معروفة.. غير أن ما لا يدركه أغلب من يروجون لهذا المفهوم، في صيغته التي تعني باختصار شديد "فصل الدين عن الدولة" هو مفهوم أمازيغي قديم، اشتغل به الأمازيغ قرون عديدة، حتى قبل دخول الإسلام إلى بلادهم، وتم تكييف هذه الظاهرة مع الإسلام منذ اللحظات الأولى لدخوله إلى بلاد الأمازيغ...
 
فبالرغم من كون الإمبراطوريات الأمازيغية الكبرى في العصر الوسيط تحمل مشروعية دينية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تأسيس دول دينية صرفة، ويتضح ذلك في نموذج المرابطين، إذ رغم أنهم حكموا من الأندلس إلى الصحراء، فإنهم لا يتدخلون في أمور الدين نهائيا، وعينوا فقهاء يتولون ذلك، حتى أن ملوكهم الأوائل لا يعرفون اللغة العربية وغير ملمين بتعاليم الإسلام ولا يحفظون القرآن ولا يؤدون الصلوات، فهم أمراء على الأرض والتجارة والملح والمعادن، ولا يهتمون بفرض الصلوات، ويتضح ذلك في لقاء بين الأمير يحيى بن إبراهيم الكدالي وبين أبي عمران الفاسي في القيروان، ويتضح ذلك أيضا في غزو يوسف بن تاشفين الأندلس... إلخ.
 
اما في المجتمعات الأمازيغية، وإلى حدود الآن، فإن الفقيه أو الطالب، الذي تشطرته (من الشرط فهو مشارط) المجموعة السكانية أو القبيلة، لا يتدخل نهائيا في أمور التسيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي للناس، ولا يتدخل في حياتهم، ولا يفرض عليهم أداء الصلاة أو الصيام، دوره محدود جدا داخل المسجد تيمزكيدا، يقوم بوظائف مضبوطة: الصلاة لمن دخل إلى المسجد وحفظ القرآن للصغار... هذا هو دوره، أما تسيير أمور الناس والقبيلة، فالأمازيغ لهم مؤسسات وقوانين وقيم يحتكمون إليها، وذلك ما نسميه بالمرجعية الأمازيغية...
 
لهذا وجب أن نوضح أن ما يتشدق البعض به كون العلمانية مفهوم أنتجه الغرب، فهو يخالف الواقع، فقط الغرب روّج له بطريقته وبأسلوبه الإعلامي والفكري، أما المفهوم، في حد ذاته، فيُعد نتاجا فكريا وسياسيا اشتغل به الأمازيغ منذ قرون، وأخذه منهم الأوروبيون منذ القدم، وصقلوه في إطار سياقهم الثقافي...
 
والشيء نفسه نجده في مفهوم الديموقراطية أو ما يصطلح عليه حكم الشعب لنفسه، فهو أيضا نظام سياسي أمازيغي عريق، طبّقه الأمازيغ في مجتمعاتهم منذ عهود قديمة، وكذلك الانتخابات يعتقد البعض أنها ممارسة أوروبية حديثة ظهرت مع ظهور الدولة الحديثة... فالأمازيغ مارسوا الانتخابات منذ عهود بعيدة... لكن، للأسف، تعرض تاريخهم للتزوير والتحريف والتلفيق...
 
حين نتأمل مصطلحات الألقاب والوظائف السياسية عند الأمازيغ، مثل أگليد، أمغار، إنفلاس،... هل لها صبغة دينية معينة؟ الجواب لا. إذن السياسة عند الأمازيغ بعيدة عن الأديان واللاهوت...
 
إعلامي وناشط أمازيغي