الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم
الفقيدة عزيزة يحضيه عمر شقواري

رحلت عزيزة يحضيه في مقتبل الحلم.. وفي نفسها الكثير من الحب

 
محمد بوحمام
 

ماذا عسانا نقول أمام هذا الرحيل الفجائي لصديقة عزيزة، من حجم عزيزة عمر يحضيه شقراوي، عزيزة الصدر الدافئ الذي كان يسع الجميع، والقلب الدافق الذي كان ينثر البسمات بسخاء في كل اتجاه ويخلق طاقة إيجابية في جميع من حولها، بفرح طفولي مشبع بالبراءة والصدق، عزيزة التي فتحت جرحا عميقا من الصعب أن يندمل بسهولة.. عزيزة التي رحلت في مقتبل الحلم..

تعرفت عليها عن قرب بقاعة التحرير بجريدة "رسالة الأمة"، نحلة متنقلة، تعيد رسم الخرائط وترتيب أبجديات وحروف الصباح بشكل مختلف، بخطى ثابتة في جسد المكان وكأنها تكتشفه لأول مرة، تحرص شديدا على توجيه التحية لجميع العاملات والعاملين، بطريقتها الخاصة، بسمة هنا قبلة هناك، وكلمة مرحة هنا، ولا يمكن أن تمر من دون أن تترك أثرا طيبا وإضفاء لمسة الفرح.
 
لمحات من سيرة حياة

توفيت الأديبة والشاعرة والإعلامية، عزيزة يحضيه عمر شقواري، يوم الجمعة 28 يناير 2022.
وتعد الراحلة، وهي من مواليد مدينة طانطان، واحدة من النساء اللواتي كرسن حياتهن لخدمة قضايا الثقافة والأدب وقضايا المرأة على وجه الخصوص، سيما من موقعها كمؤسسة ورئيسة لـ"رابطة كاتبات المغرب".
وأشرفت الفقيدة، وهي على رأس الرابطة، على العديد من المبادرات الأدبية الوازنة التي تروم نشر ثقافة الإبداع والتميز وإثراء المشهد الثقافي جهويا ووطنيا وإقليميا، والتي كان  آخرها مبادرة "جائزة الكاتبة المغاربية".
والفقيدة عزيزة يحضيه حاصلة على دكتوراه في الإعلام والاتصال في مدريد، وصدرت لها كتابات في العديد من المنابر الإعلامية، وعملت أستاذة ومستشارة إدارية في أحد معاهد الصحافة الخاصة في الدارالبيضاء، وساهمت في تأسيس العديد من الجمعيات والمؤسسات الثقافية.
وصدرت للفقيدة عزيزة يحضيه العديد من الدواوين الشعرية، ومنها "حناء صحراء الزعفران" (1993)، و"بوح طانطان" (1998)، و"هديتي لك سيدي"...

جمعتنا متاعب الصحافة وانشغالات الأدب، وقواسم مشتركة عدة، وصديقات وأصدقاء مشتركون داخل وخارج أرض الوطن، مما أضفى عليها نوعا من الخصوصية التي تجاوزت في الزمن بأزمنة، في ظرف وجيز، وتوطدت العلاقة أكثر بواحات الصحراء المغربية، حين التقينا بملتقى آسا الزاك، بدون موعد مسبق ولا ترتيب قبلي، حيث وقفت على جوانب أخرى من شخصية عزيزة الإنسانة، عزيزة الوفاء، عزيزة التاريخ النظيف، التي تحظى باحترام خاص لدى الجميع، وبمكانة لافتة في وسطها الصحراوي العميق، الذي أذهلني بتنوع ورسوخ معارفة وثقافته، وشهادته الصادقة في حق عزيزة الإعلامية والشاعرة، ووفائها لأصولها ولطقوس وعادات أهل الصحراء الطيبين...

ومن ثم أدركت بعضا من أسرار نقاوة الروح المرحة والعطاء السخي من الحب والبسمات الدائمة والتواضع الجميل الذي يخفي وراءه شخصية مشبعة بالثقافة والأدب ونكران الذات.

كما أذهلتني قدرتها الخارقة على التجاوب العفوي مع سلطة المكان وتفاعلها مع طبيعة المقام، بما يتطلبه من التزام وروح المسؤولية.
سألتها في حينه عن عزيزة البيضاوية، وشغبها الجميل، فقالت لي إن مكانتها هنا تختلف كثيرا، وذلك ما أكدته ظروف اللقاء ومعايشاتي لأيام لعمق المجتمع الصحراوي الأصيل وشهادات بعض صديقاتها وأصدقائها المقربين، ومن بينهم الصديق سويدي تمكيلت والصديقة إزانا بوغراس وآخرون...

اقتسمنا أطباقا غنية من الشعر الحساني الرفيع، في واحات آسا الزاك، كما اقتسمنا الخبز والملح وأياما من المتعة الأدبية والفنية الراقية.. ولن أنسى أبدا صدمتها الكبيرة ليلةَ سقطتُ مغمًى عليّ في حفل عشاء كان قد أقامه عامل الإقليم على شرف المدعوات والمدعوين لهذا الملتقى الأدبي، حيث كدتُ أن أودع، لولا وجودها وصرختها المدوية التي أثارت الجميع، حيث سارع طبيب من ضمن المدعوين، إلى التعجيل ببعض الإسعافات الخاصة التي أعادت لي سريان الحركة الدموية، لأفتح عيني مجددا على الحياة رفقة الإنسانة الوديعة الدكتورة إزانا، والصديقة الوفية عزيزة، اللتين كانتا في لحظة ذهول مغرقة في الدموع.

رحلت عزيزة في عز العطاء والسخاء الثقافي والأدبي، اللذين كرست لهما من الجهد والوقت، الشيء الكثير من عندياتها، دون كلل ولا ملل.. رحلت دون إتمام مشروعها، كشاعرة وكرئيسة لرابطة كاتبات المغرب، الذي ضحت من أجله، وعملت على وضع أسسه ولبناته الأولى كإطار وطني متجدد تمكن من استيعاب مختلف الأجيال، إطار منفتح على جميع الثقافات والتجارب الأدبية، من خلال فتح فروع في جميع المدن المغربية، ومنها إلى الفروع العربية والدولية في العديد من العواصم، والحرص الشديد على استقطاب الكاتبات الرائدات، وفتح قنوات وجسور التواصل مع الرابطة ومع وطنهم الأم، بإحياء لقاءات وتظاهرات أدبية داخل وخارج أرض الوطن، بعد تضحيات جسام على حساب عطائها الأدبي كشاعرة وكأديبة.

الجانب السياسي لم يكن يستهوي كثيرا عزيزة، وإن كانت قد خاضت في معتركه لفترات، رغم قدرتها الفائقة على التواصل، وامتلاكها كاريزما ديبلوماسية خاصة، وظفتها بنجاح في تقريب وجهات النظر، وكسب ود واحترام الجميع، كاريزما لا تستسلم أبدا أمام مختلف الهزات والعواصف، التي عرفت كيف تخرج منها منتصرة بهدوئها المعتاد، وحنكتها في إدارة أوجه الصراع والاختلاف، بصدقية مشاعر الحب والإصرار على تثبيت أواصر العلاقات الإنسانية، التي كانت تعمل على تحصينها من الشوائب العابرة.

رحلت عزيزة.. أكاد لا أصدق.. عزيزة لم ترحل ولن ترحل.. عزيزة ستظل حاضرة بيننا بروحها المرحة وطعمها الخاص، الذي ينضح بالحب والبسمة الدائمة في وجه الجميع، ومن خلال عطائها الأدبي المميز...

رحمك الله عزيزتي وأكرم مثواك، وعزاؤنا واحد في هذا المصاب الجلل، الذي زلزل الكيان…