الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم
الروائية ليلى سليماني

رواية ليلى سليماني Chanson douce الفائزة بجائزة غونكور 2016.. مأساة إنسانية

 
مصطفى لمودن
 
 
انتهيت مؤخرا من قراءة رواية ليلى سليماني "أغنية هادئة"/ Chanson douce الفائزة بجائزة Gouncourt الفرنسية سنة 2016..
تتطرق الرواية لظاهرة تعيشها المجتمعات الغربية، وكذلك بدأت تنتشر في مجتمعات الشرق وإن بطرق مختلفة؛ وهي تكليف "مربية" و"خادمة" بشؤون البيت عامة، وما يترتب عن ذلك من مشاكل، في ظل سعي الزوجين للعمل معا واستغراقهما فيه.
وقد ذكرتْ مرة الكاتبة سليماني، في حوار لها، أنها استمدت فكرة الرواية مِن حدثٍ واقعي سبق أن قرأت عنه في إحدى الصحف.
لكنها طورت الفكرة وجعلتها قطعة سردية مشوقة. وكان الفوز بجائزة معتبرة دعما للرواية والرفع من سومتها وشهرتها.
في الحقيقة يمكن القول إن الرواية تقدم حياة امرأتين بشكل متوازٍ، الأولى هي الأم والزوجة Myriam من أصل مغربي، لها طفلان هما Mila Adam. تشتغل محامية. والثانية هي Louise الخادمة والمربية (La nounou) مسنة، أرملة، من أصل آسيوي، غريبة الأطوار، مجدة في عملها، لكنها طلعت قاتلة!
أقدمتِ الكاتبة على مغامرة في اختيارها من حيث الشكل، فقد ذكرت منذ البداية الحدث الأساسي، وهو قتل "المربية" للطفلين اللذين ترعاهما. لكن ذلك لم "يقتل" التشويق، حيث يظل القارئ يتساءل، ما الدافع وراء القتل؟
وهكذا تنطلق الرواية في سرد متداخل من حيث الزمن، لتحكي عن حيوات أهم الشخوص، وتتعمق في ماضيهم وحاضرهم، تطلعاتهم وهواجسهم..
ونكتشف إشكالات نفسية واجتماعية واقتصادية تعيشها الأسر الغربية، حيث السعي الحثيث لتأكيد الذات من خلال الانغماس في العمل، والبحث عن رغد العيش بأي ثمن. فالبطلة مريم عاشت ظروفا اقتصادية صعبة، إلى أن وجدت عملا في مكتب للمحاماة، وأصبح شغلها الشاغل هو بناء كاريزما في مجالها. وزوجها بول أصبح يعيش تقريبا في مكتب تسجيل الأغاني الذي توفر عليه. وتركا معا طفليهما للويزا تفعل بهما ما تشاء، رغم عطفها وحبها لهما بشكل لا يتصور، وقد ربطت مصيرها بهذه الأسرة، بعدما فقدت كل شيء، الزوج المتوفي، البنت التي تاهت في الآفاق، والديون المتراكمة التي خلفها الزوج وعليها تأديتها، التهديد بطردها من البيت الصغير والضيق الذي تكتريه، وحالتها النفسية التي تتدهور يوما بعد آخر.. إلى درجة، أنها أصبحت تقوم بالمقالب كي تحمل مريم بطفل ثالث وبالتالي اضطرارها للإبقاء على الخادمة، أي لويزا، وهي الخطة التي لم تنجح فيها.
كما نطلع من خلال الرواية على "طبقة" اجتماعية تشكلت في فرنسا من الخادمات والمربيات اللواتي أتين من مختلف مناطق العالم. وتأثير ذلك على الأطفال حسب الرواية.
تنتمي ليلى سليماني للمغرب، وهي صحافية، وصاحبة قلم سيال وجريء، ونكتشف من خلال الرواية تلك النظرة الدونية للقادمين من شمال إفريقيا، فمريم ظلت ترفض أن تكون "مربية" أطفالها مغاربية، وألا يسمع طفلاها كلمة بالعربية. كما تم استعراض نموذج سيء عن فتاة مغربية اسمها وفاء، قدمت من الدار البيضاء سرا مع شيخ مهاجر عاشرته جنسيا مقابل ذلك، ولما توفي الرجل، عقدت زواجا "أبيض" بالمقابل مع أحد أقاربها حتى تحصل على "الإقامة".
تطلعنا الرواية على حياة "المربية" لويزا، وعلى المفارقات الغامضة التي تعيشها، فهي تشبه المجنونة مرة، وتظهر كالحكيمة مرة أخرى، حتى أنها ظلت تثير إعجاب الجميع بفضل خدماتها المتنوعة كالطبخ والتنظيف والنظام والانضباط وتعلق الطفلين بها.
ويبدو سبب قتل الطفلين غير مقنع من وجهة نظري، وقد وقع بشكل بشع على شكل لعبة مقيتة، وقد نحرتهما داخل المغسل بالمنزل. ربما فقط أن الكاتبة أرادت أن تقدم "نصيحة" للأسر الغربية كي لا تتق في أية خادمة وتترك بين يديها الأطفال.
لعل قوة الرواية تتجلى كذلك في اللغة الراقية والصعبة أحيانا التي كتبت بها ليلى سليماني، وذلك لا يختلف كثيرا عن جل كتاب شمال إفريقيا الذين اختاروا الكتابة بفرنسية غنية وصعبة أحيانا، كما هو الحال مع إدريس الشرايبي من المغرب، ومحمد ديب من الجزائر.. وقد يكون ذلك من أجل تأكيد "تفوق" خاص لا يصل إليه إلا قلة من الفرنسيين أنفسهم.