الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

أنبوب الغاز المغربي النيجيري.. مشروع موثوق على سكته الصحيحة

 
د. عبد السلام الصديقي
 
المشروع الضخم لخط أنابيب الغاز الذي سيربط بين نيجيريا والمغرب وسيمتد، في ما بعد، إلى أوروبا، يثير اهتماما خاصا ويجذب انتباه المحللين والمستثمرين. هذا المشروع، الذي لقب بـ"الطريق السريع" للغاز، يمكن اعتباره الأهم في العالم. سواء من خلال كميات الغاز التي بإمكانه نقلها، أو المسافة التي سيمتد عليها، أو عدد البلدان التي سيمر عبرها وسيزودها بالغاز، أو عدد السكان الاجمالي الذين سيستفيدون منه، أو من حيث تكلفته المقدرة لإنجازه، وكذا وقعه المرتقب على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والجيوستراتيجي.
 
المشروع الضخم لخط أنابيب الغاز الذي سيربط بين نيجيريا والمغرب وسيمتد، في ما بعد، إلى أوروبا، والذي لقب بـ"الطريق السريع" للغاز، يمكن اعتباره الأهم في العالم. سواء من خلال كميات الغاز التي بإمكانه نقلها، أو المسافة التي سيمتد عليها، أو عدد البلدان التي سيمر عبرها وسيزودها بالغاز
 
لذلك ندرك جيدا، في المقابل، أن مشروعا من هذا الحجم، لا يمكن إنجازه بدون مواجهة مجموعة من المشاكل والعراقيل، خصوصا ذات الطابع التقني.
 
في الواقع، منذ إطلاق المشروع في أبوجا من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس النيجيري محمدو بوهاري، في دجنبر 2016، وتوقيع اتفاقية، في الإطار ذاته، بين قائدي البلدين في 10 يونيو 2018 بالرباط، تم عقد سلسلة من الاجتماعات بين مسؤولي البلدين ومشاورات متعددة مع الأوساط المالية والمستثمرين المحتملين.
 
اليوم، الكل يجمع على أن المشروع موثوق به وممكن الإنجاز على أرض الواقع. فمساهمة البنك الإسلامي للتنمية بمبلغ 15,5 مليار دولار لتمويل الدراسات التقنية، وصندوق الأوبك للتنمية الدولية (OFID) بـ14,3 مليار دولار لنفس الهدف، يبيّن أننا أمام مشروع جاد أخذ مساره الصحيح. وعملية إنجازه أصبحت مسألة وقت فقط.
 
على المستوى الاقتصادي، سيسهم المشروع في إنعاش منطقة بأكملها في إفريقيا لا تقل عن 11 بلدا من خلال مضاعفة الأنشطة الصناعية التي تنتج الثروة وتخلق فرص الشغل. أما المغرب ونيجيريا، فسيستفيدان أكثر بصفتهما قائدي المشروع، وشريكين رائدين ورئيسيين
 
عندما نعلم، على سبيل المثال، أن إنشاء خط أنابيب الغاز الذي يربط روسيا بألمانيا، عبر بحر البلطيق، نورد ستريم 1، امتد على مدى 15 عاما بين تاريخ إطلاقه سنة 1997 وتاريخ بداية تشغيله الفعلي سنة 2012 على مسافة 1200 كيلومتر، ندرك تماما الوقت الذي سيستغرقه استكمال أنبوب الغاز المغربي النيجيري. يمتد هذا الأخير على أكثر من 3000 كيلومتر، جزء كبير منها بعيد عن الشاطئ وسوف يعبر ما لا يقل عن 11 دولة، وهي بنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا. باستثناء الدولة الأخيرة، تنتمي جميع الدول الأخرى بمعية نيجيريا إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (CEDAO).
 
هذا المشروع الذي تبلغ تكلفته حوالي 30 مليار دولار وفقا للتقديرات الأولية، سيمثل العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية.
 
على المستوى الاقتصادي، سيسهم في إنعاش منطقة بأكملها في أفريقيا من خلال مضاعفة الأنشطة الصناعية التي تنتج الثروة وتخلق فرص الشغل. بالإضافة إلى هذا المكسب الجماعي الذي يهم جميع البلدان، فإن المغرب ونيجيريا، بصفتهما قائدي المشروع وشريكين رائدين ورئيسيين، سوف يستفيدان منه بالتأكيد أكثر من خلال توطيد علاقاتهما الاقتصادية وتطوير مشاريع مشتركة في العديد من المجالات. وهكذا ستتاح لنيجيريا فرصة الاستفادة بشكل أفضل من مواردها من الغاز الطبيعي، والتي تشكل، إلى جانب النفط، ثروتها الرئيسية. إذ تحتل المرتبة الأولى من حيث الاحتياطيات في أفريقيا والمرتبة السابعة على مستوى العالم. وسيؤدي ذلك إلى تنويع أنشطتها وتحسين دخل سكانها الذين يتجاوزون 200 مليون نسمة. أما المغرب فسيستفيد من ضمان أمنه الطاقي عبر تنويع مصادر الإمداد وتلبية احتياجاته المتزايدة من الطاقة لمواكبة تنميته الاقتصادية.
 
على المستوى السياسي، سيعطي المشروع دفعة للاندماج الإفريقي، الذي لن يتحقق بواسطة الخطب الرنانة والإعلانات المعسولة، ولكن من خلال الإنجازات الملموسة والمشاريع المهيكلة، والذي سيساعد الدول الأعضاء على التغلب على الخلافات التي تؤخر تنمية القارة والتركيز على التحديات الحقيقية المشتركة
 
على المستوى السياسي، إن مشروعا من هذا النوع، سيعطي دفعة للاندماج الأفريقي، بدءا من تعزيز المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي تطمح بلادنا إلى الانضمام إليها. إن الاندماج الأفريقي لن يتحقق بواسطة الخطب الرنانة والإعلانات المعسولة، ولكن من خلال الإنجازات الملموسة والمشاريع المهيكلة. إن مثال المجموعة الاقتصادية الأوروبية (المجموعة الاقتصادية الأوروبية سابقا، الاتحاد الأوروبي حاليا) مفيد للغاية: إذ تم إنشاء هذه المجموعة على أساس المجموعة الاقتصادية للفحم والصلب (CECA). فهل سيلعب الغاز والفوسفاط لأفريقيا الدور الذي لعبه الفحم والصلب في أوروبا؟ إن هذا الاندماج الاقتصادي للقارة هو الذي يعطي معنى للاندماج السياسي ويساعد الدول الأعضاء على التغلب على الخلافات التي تؤدي فقط إلى تأخير تنمية القارة والتركيز على التحديات الحقيقية المشتركة.
 
على المستوى الجيوستراتيجي، فإن القارة الأفريقية التي يبلغ عدد سكانها اليوم 1,4 مليار نسمة، أي 18% من مجموع السكان، ستشهد تضاعف عدد سكانها بحلول عام 2050 وستشكل وحدها 25% من سكان العالم. هذه الثروة البشرية، مقترنة بالموارد الطبيعية المتنوعة والوفيرة التي تزخر بها التربة الأفريقية، تهيئ القارة للاضطلاع بدور استراتيجي على المستوى الدولي.
 
العالم يمر بتغييرات عميقة يمكن أن تؤدي إلى إعادة توزيع جديدة للأوراق وتكوين جديد لموازين القوة. فليس أمام أفريقيا خيار آخر سوى السير في اتجاه أن تصبح جهة فاعلة ذات مصداقية على المستوى الدولي، باتباع المسار الديمقراطي، والاعتماد على الذكاء الجماعي والعبقرية الإبداعية للشعوب الأفريقية
 
ولتحقيق ذلك، يجب إعطاء الأولوية للتعاون جنوب جنوب من أجل توليد التآزر الكافي، والقدرة على التأثير على الساحة الدولية والمساهمة بنشاط في بلورة نظام دولي جديد يلوح في الأفق.
 
العالم يمر بتغييرات عميقة يمكن أن تؤدي إلى إعادة توزيع جديدة للأوراق وتكوين جديد لموازين القوة. سوف تتسارع الأحداث على مدى السنوات القليلة المقبلة. وقد حان الوقت للقارة للاستعداد لها حتى لا تخلف الموعد مع التاريخ مرة أخرى. فبينما نشهد في جميع أنحاء العالم إعادة تفكير في العولمة لصالح الهيكلة الإقليمية، ليس أمام أفريقيا خيار آخر سوى السير في هذا الاتجاه. وبذلك، ستصبح جهة فاعلة ذات مصداقية على المستوى الدولي وستلقي بثقلها على مجرى الأحداث. ولن تفعل ذلك بنجاح، إلا باتباع المسار الديمقراطي، وقطع روابط الاعتماد على القوات الاستعمارية السابقة، والاعتماد قبل كل شيء على الذكاء الجماعي والعبقرية الإبداعية للشعوب الأفريقية.
 
اقتصادي وأستاذ جامعي ووزير سابق