الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

الحكم على سليمان الريسوني.. المقاربة الأمنية باتت هي المهيمنة

 
عزيز إدمين
 
أصدرت محكمة الاستئناف حكمها في حق الصحافي سليمان الريسوني بالسجن خمس سنوات نافذة، وهو حكم كان متوقعا، بل هناك من كان يتوقع أن يكون الحكم أكثر من ذلك، ليس لصلابة الأدلة التي تدينه وإنما لسببين.
 
يتعلق السبب الأول بالسياق العام الذي جرت فيه المحاكمة، إذ منذ سنة 2014، وبالضبط بعد خطاب وزير الداخلية أمام البرلمان، ارتفع صبيب قمع حرية التعبير والرأي والحق في التظاهر، من خلال اعتقال الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمتظاهرين بشكل مهول.
 
فأصحبت المقاربة الأمنية، خلال هذه الفترة، هي المهيمنة، واحتل الأمني مجالات كثيرة في الفضاء العمومي، وحل محل عدد من الفاعلين في تقديم أجوبته الأمنية على الأسئلة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لنصل إلى سطوه على الحياة العامة، ولم تتبقَّ للسياسي أو الحقوقي أو المدني أو الصحافي/الإعلامي أو المؤسساتي إلا دوائر صغيرة ميكروسكوبية يتحرك داخلها ضمن فضاء عمومي ملغوم بالخطوط الحمراء.
 
هذه الخطوط الحمراء تمددت وتنوعت في المجال العمومي المغربي، ولم تعد تقتصر فقط على ما هو منصوص عليه في القوانين، بل أضحت تشمل أشخاصا بعينهم ورجالات أمن واقتصاد وأجهزة معينة منها العلنية والسرية وصناديق سوداء، وبلغ الأمر أن أصبح الريع والفساد خطا أحمر، محميا، لا يجب الحديث عنه، وكل من فضحه سيجد السجن أمامه بتوليفة قضائية مكشوفة وغير محبكة.
 
ويتمثل السبب الثاني، في السياق الخاص للمحاكمة في حد ذاتها، وللمعلوم فإن معايير المحاكمة العادلة لا تنظر فقط في المرافعات داخل الجلسات، بل قبل الاعتقال، وأثناء الاعتقال، ومحيط أو بيئة إجراء المحاكمة، وسير الجلسات والنطق بالحكم وما بعد الحكم.
 
قبل اعتقال الصحافي سليمان الريسوني بأيام وقبل بدء إجراءات محاكمته، نشرت مواقع إليكترونية مقربة من السلطة، خبر اعتقاله، وصورت لحظة اعتقاله، مع العلم أن مثل هذه المعلومات تكون جد سرية ولا تعلم بها إلا الجهات الأمنية، فكيف وصلت هذه "المعلومات" لهاته المواقع، قبل أن تصل للجهات القضائية المختصة أو المعني بالأمر؟.
 
لحظة اعتقال الصحافي سليمان الريسوني، التي يمكن وصفها، بمعايير حقوق الإنسان، أنها تعسفية، تلاها وضعه في إطار الاعتقال الاحتياطي رغم وجود عدد من ضمانات الحضور وغياب التلبس وأن المعني بالأمر لا يشكل خطرا على المجتمع، فالجريمة المزعومة التي ادعاها المشتكي وقعت قبل سنتين، طيلة هذه المدة لا توجد أي شكاية تتعلق بالحق العام ضد الصحافي سليمان.
 
كما أن محاكمته لم تبدأ إلا بعد ثمانية أشهر من سلب الحرية، وهو خرق لمعيار تمتع الأفراد بمحاكمة عادلة في إطار مدة معقولة.
 
معيار المدة المعقولة وفق معايير حقوق الإنسان، لا تتعلق بالنص القانوني المغربي، وإنما تتعلق بالقضية وبالمتهم وبالمشتكي، حجية الأدلة في القضية، الوضع الاجتماعي والأسري (وجود أطفال...)، الوضع الصحي... للمتهم، وبالوضع المعياري للمشتكي كالحاجة الماسة للتعويض أو ضرر مادي إداري أو اجتماعي كالإنصاف. لهذه الأسباب فإن المدة المعقولة والضرورية لإجراء محاكمة معينة تكون محصورة في أسبوع أو شهر على أبعد تقدير وقد تحتاج إلى شهور في حالة وجود قضية معقدة تتطلب تحقيقات كثيرة.
 
في قضية الصحافي سليمان الريسوني، تعتبر مدة ثمانية أشهر طويلة جدا، وضرب بعرض الحائط معيار المدة المعقولة، فالأدلة الموجهة ضده غير مقنعة لغياب الشهود وعدم تحديد الوقائع بدقة، معاناته مع المرض ووجود طفل رضيع مهدد بالضياع والتشرد.
 
في إطار معيار المدة المعقولة، فإن رفض السلطات القضائية تمتيع الصحافي سليمان بالسراح المؤقت بشكل آلي، يعتبر خرقا لهذا المعيار، أما طلب تأجيل الجلسات من قبل هيئة الدفاع أو عدم قدرته الحضور لأسباب صحية أو حتى وإن كان رفض الحضور للجلسة سلوكا احتجاجيا، فإنه لا يمس بمعيار المدة المعقولة ولا يجب تحميل مسؤولية خرقها للمتهم، بل تتحمل المسؤولية الكاملة الجهات القضائية التي أطالت في مدة التحقيق القضائي دون أن يكون لهذا التحقيق أي إضافات أو فائدة مقارنة مع صك الاتهام المنجز من قبل السلطات الأمنية، ونظرا أيضا لرفض السراح المؤقت بشكل مستمر.
 
وبخصوص ما جرى في الجلسات، فيلاحظ أن القاضي تحول من شخص يبحث عن الحقيقة والعدالة في الملف إلى خصم للمتهم، فما معنى رفض كل الدفوعات الشكلية ورفض كل أدلة النفي ورفض حضور الشهود، في مقابل ذلك قبل القاضي كل الادعاءات والتصريحات الصادرة عن المشكتي كأنها هي الحقيقة القضائية؟ فالقاضي مفروض عليه أن يكون في الوسط، يساعد الضحية المزعوم من أجل إثبات اتهاماته وإحضار أدلة التأكيد، وفي نفس الوقت يساعد المتهم في نفي المزاعم وإحضار أدلة النفي.
 
الأسباب السالفة الذكر هي التي دفعت في اتجاه أن الحكم كان متوقعا، ليس لكون الصحافي سليمان مجرما، بل لتغول الأمني مستعملا سلاح التعسف القضائي والتشهير الاعلامي.
 
بقيت نقطة أساسية في هذا الملف، وتتعلق بالتحضر الراقي الذي أبان عليه الصحافي سليمان الريسوني وعائلته ودفاعه والهيئات المساندة له وكل المتضامنين معه، حيث لم تثر مثلية المشكتي كجريمة ينص عليها نفس القانون الذي أدان سليمان، بل اعتبارها حقا فرديا وحرية شخصية، ومن حق أي مغربي، رغم ميولاته الجنسية، أن يتقدم أمام الأمن من أجل وضع شكاية وحقه في الولوج للعدالة بشكل عام.
 
في الجهة الأخرى، تشكلت كتيبة هجينة، لا تجمع بينها أي روابط فكرية أو سياسية أو حقوقية أو إديولوجية، ومن بينها لا يملك أي بوصلة من الأساس، ونجد من بينها من طالب ومازال يطالب بتشديد العقاب على المثليين، ويَعتبر المثليةَ مرضا وشذوذا وسلوكا منحرفا عن المجتمع، نجد هذه الكتيبة المشكلة من بعض الصحافيين وبعض الإعلامين وبعض المحاميين تتشفى في ذبح القضاء للعدالة من خلال إدانة سليمان الريسوني.
 
الكتيبة الهجينة لم نسمع لها صوتا بعد تمتيع الكويتي بمراكش، الذي اغتصب طفلة قاصرة، بالسراح المؤقت، ومساعدته من قبل السلطات المغربية من أجل الإفلات من العقاب بمغادرة المغرب، ولم نسمع لها صوتا بعد تمتيع البيدوفيلي السعودي بسلا بالسراح المؤقت ومساعدته أيضا على الإفلات من العقاب، ومتابعة الطفلة، التي كانت معه، في حالة اعتقال، بتهمة ممارسة الدعارة وتشكيل عصابة إجرامية، وحالات أخرى يدمى لها القلب.
 
يخطئ من يعتقد أن إضراب الصحافي سليمان عن الطعام بأنه يقايض موته بحريته، بل سلميان يقايض حياته بالعدالة.
 
نفس المسلسل سيتكرر مع الصحافي عمر الراضي وعماد استيتو، لهذا لن نتفاجأ...
 
خبير حقوقي دولي مقيم في باريس