الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

أحمد حبشي: مسرحية "فطائر التفاح" إبداع فني مكتمل بكتابة نوعية وفرجة ممتعة

 
أحمد حبشي
 
كانت التفاحة بداية الحكاية، هي الأصل في كل ما تلاها من تداعيات الحياة ومراميها، الخروج من الجنة والسعي في الأرض لتحقيق الرضى والفوز بالخلود الأبدي والنعيم الدائم. هي حكاية عشق أزلية اتخذت أشكالا واستعصت على أن تجد صيغة تامة ونهائية، في مسار تطورها ظلت تحمل كل سمات اللوعة والاشتياق، تفاقمت رجات المعاناة كلما طفت الشدائد وتراكمت تداعيات دواعي تدبير تفاصيل الأيام. في التأمل الدائم يقف الناس على بعضٍ مما تحمله الحكاية من أسرار، وما يجعل المرء على مشارف التيه والإفراط في جلد الذات أو تحميل الآخر كل التبعات.
 
"فطائر التفاح".. بطاقة تقنية

مسرحية "فطائر التفاح" من إنجاز فرقة "دوز تمسرح" المراكشية، ومن توقيع المخرج المسرحي عبد الجبار خمران، عن نص للكاتب السوداني أمجد أبو العلا، كتبه في 2011، وحصل على جائزة أفضل نص عربي من الهيئة العربية للمسرح.
السينوغرافيا ليوسف العرقوبي، والأداء لكل من رجاء خرماز وزينب الناجم ونور الدين سعدان وزكرياء حدوشي. الموسيقى كذلك لزكرياء حدوشي، والمحافظة العامة لعادل منصوري، الفيديو والتوثيق لرضى لمنادي، العلاقات العامة لغزلان الإدريسي، الإعلام والتواصل لزكية التحفي، والإدارة العامة لرضوان خمران.
 
في استقراء خاص لما راكمته التجربة الإنسانية في تدبير تفاصيل حكاية الخلق الأولى، صاغت المجموعة المسرحية المراكشية "دوز تمسرح" مقاربة استطلاعية لتجربة إنسانية، سعت من خلالها إلى الكشف عمّا يعيق تجاوز كل معيقات التواصل الهادئ المفعم بالمودة والتقدير البالغ بين طرفين من أجلهما كانت الحياة، أو هما من حقّقا بوجودهما عوالم بسمات بشرية، أثمرت عوائد وتقاليد شكلت مجالا خاصا يساعد على تحقيق معنى للوجود ويضفي عليه مظاهر البهجة والانشراح.
 
"فطائر التفاح" كتابة نوعية، تحمل كل الإحالات على ما يداريه الناس في علاقتهم المنسابة كامتداد لأصل الخليقة. حيث لم يستطع آدم استيعاب ما فعلته به حواء منذ الخطيئة الأولى، ولم تملّ حواء من التأكيد على أن الحب وحده كان وراء كل دواعي توجسها. فهي وحدها لها الحق في أن يخصها آدم بمودته ويبثّها لواعجه، وأن يشدها بالأحضان ويخصها بكل مباهج الحياة التي تستقيم وجلال وفائها ورحابة عطائها وسعة صدرها. لا يقوى آدم على مسايرة واستكشاف كل ما ترنو إليه حواء، يحس بالحاجة إلى سكينتها وتدفق حنانها وجلال عنايتها، ولكنه لا يقوى على سبر أغوار ما يتناسب وصفاء سريرتها وحجم عطائها ودواعي مراميها. وحدها حواء تحسن تدبير تدفق لحظات المودة ولواعج الاشتياق، وحدها القادرة على ضبط إيقاع الزمن وترتيب مباهج المكان.
 
عرض الحكاية بكل إيحاءاتها وعمق دلالتها مسرحيا، كان في حاجة إلى رؤية فنية عميقة في بسط الحالات الوجدانية في كل تجلياتها، وكذا القدرة على الإيحاء بحقيقة أجوائها وامتدادها الاجتماعي، كما يتجلى كوقائع بخلفيات متباينة. هي أمور تفوق المخرج والممثلان والممثلتان في تركيب كل مقوماتها في صياغة فرجة ممتعة. كان المزج فيها بين الفصحى والدارجة يفصح عن المقاربة في صيغتيها المحلية والكونية، بما يعني أن ملابسات العلاقة بين آدم وحواء ليست مرتبطة بالمكان، بل هي بنية نفسية حملت كل سماتها من الاقتراب من الشجرة وارتكاب الخطيئة الأولى في مهد البشرية. تجليات ملابسات تدبيرها لا يحدّها مكان ولا يقاس امتدادها في الزمن.
 
"فطائر التفاح" إبداع فني مكتمل، فتح نوافذ على واقع مركب يعيش كل واحد منا تفاصيله وفق معطيات محيطه وإمكانيات تفاعله. في التفاعل مع العرض بكل معطياته الفنية، يعود كل واحد إلى عوالمه الخاصة ومسار تجربته الحياتية، ليعيد استقراء كيفية تدبير لحظات أيامه من موقعه كآدم أو من جانبها كحواء. من بين كل ذلك يطفو سؤال يستدرجنا إلى الخوض في تفاصيل تدبيرنا للحياة: هل امتداد حكاية حواء وآدم مازال يعاد إنتاجه كحقيقة أزلية في مسار تجربتنا كحيوات بشرية؟ أم نستعير الحكاية لتغطية عجزنا في تدبير حقيقة ونوعية الاختلاف في البنية النفسية وطبيعة التدبير الحر لمجريات الحياة؟ هو إشكال مجتمعي يطرح أكثر من سؤال لفهم ظواهره وتجاوز مطباته. يأخذ أحيانا طابعا عنيفا، ويترك تداعيات مثقلة بجروح وخيبات...
 
_________
يناير 2024