الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

جنوب أفريقيا.. "البطة العرجاء" للبريكس

 
جوهنسبورغ: عبد الغني عويفية
 
تجتمع دول "البريكس" بجوهنسبورغ، في جنوب أفريقيا لمناقشة توسيع التكتل، الساعي إلى الاضطلاع بدور جيوسياسي أكثر أهمية في عالم متغير.
 
الهدف مهم بحد ذاته، لكن القمة تروم، لا أقل ولا أكثر، تمكين نادي دول "البريكس"، الذي تشكل في 2009، لعب دور "رائد" لدول الجنوب، انطلاقا من إحداث "مراجعة" في الحكامة السياسية والمالية الدولية.
 
غير أن الخبراء يتساءلون حول جدوى واستدامة المشروع، حيث يرون أن هذا الطموح يصطدم بالتباين القائم داخل المجموعة، بل حتى بالمآرب المتضاربة لأعضائها، التي يعاني بعضها من عجز اقتصادي عميق.
 
جنوب أفريقيا نشاز داخل المجموعة
 
يبرز اسم جنوب أفريقيا بدرجة أولى، هذا البلد الذي لم يلتحق بالمجموعة إلا في 2011، والذي لطالما كان متخلفا في ما يتعلق بالأداء الاقتصادي، مقارنة مع الصين أو الهند أو روسيا أو حتى البرازيل، وهي الدول التي تشكل العمود الفقري لمجموعة البريكس، والتي يفترض أن تشكل تكتلا من الدول الناشئة.
 
وتعزز الأرقام حجج الخبراء، حيث عرف العقد الأول لإحداث البريكس نموا اقتصاديا للصين، القوة الاقتصادية الأولى للمجموعة بنسبة 176 في المائة، فيما حققت الهند نموا اقتصاديا بنسبة 110 في المائة، وروسيا بنسبة 60 في المائة، وروسيا بنسبة 47 في المائة.
 
في المقابل، واصل النمو الاقتصادي لجنوب أفريقيا، خلال الفترة نفسها، تراجعه نتيجة التسيير الكارثي لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي يمسك بمقاليد الحكم منذ 1994، إذ يبقى النمو المتواضع بنسبة 3,17 في المائة في 2011 هو أفضل أداء اقتصادي حققته جنوب أفريقيا خلال عقد بأكمله، لكن المثير في الأمر هو أن هذه النسبة تراجعت بدورها إلى 0,66 في المائة سنة 2016، ثم إلى 0,30 في المائة في 2019، قبل أن تهوي إلى نسبة ناقص 6,34 في المائة في 2020.
 
والمفارقة الصادمة هو أن الناتج الداخلي الخام للصين يرتقب ان يبلغ خلال السنة الجارية (2023) ما قيمته 19 تريليون دولار، وهو ما يفوق الناتج الداخلي الخام لجنوب أفريقيا بـ50 مرة.
 
وعلاوة على ذلك، فالاقتصاد الجنوب الأفريقي لا يمثل إلا ربع الاقتصاد البرازيلي المصنف رابعا في التصنيف الاقتصادي للبريكس.
 
ومنذ سنة 2014، واصل التصنيف السيادي لجنوب أفريقيا تراجعه حسب أكبر وكالات التصنيف الدولي، ما يعكس بجلاء حالة الانهيار التي يعيشها اقتصاد البلاد، التي ينخرها الفساد لسنوات طويلة.
 
وتشكل هذه الأرقام تجسيدا صريحا لـ"النشاز"، الذي تمثله جنوب أفريقيا داخل المجموعة، وهو التعبير الذي وصف به الاقتصادي البريطاني السابق بمجموعة الاستثمار الرائدة "غولدمان ساشز"، جيم أونيل، والمعروف بابتكاره لاختصار (بريك)، إدماج بريتوريا في التكتل، في إشارة إلى البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل إدماج جنوب أفريقيا لـ"أسباب سياسية بحثة".
 
وكتب أونيل، في مذكرة للمستثمرين، أن "حضور جنوب أفريقيا داخل البريكس يشكل عائقا"، معتبرا أن القدرة المحدودة لبريتوريا في تمويل مبادرات التكتل يعني أن هذا البلد يشكل عقبة أمام مبادرات تنمية هذه المجموعة.
 
حلم الريادة يتبخر
 
من جهة أخرى، فإن "الضجة الإعلامية"، التي يثيرها قادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، بمناسبة لقاء جوهنسبورغ، تظهر بالملموس إصرارهم على الدفاع عن "ريادة مزعومة" لأفريقيا.
 
وفي هذا الصدد، أكد ليال وايت، وهو باحث بالمؤسسة الجنوب-أفريقية "برانثراست"، أن بريتوريا تم تجاوزها بشكل جلي من طرف قوى اقتصادية أخرى بأفريقيا، وهو ما يظهر بحسب الباحث الدور الاقتصادي "الضئيل" لجنوب أفريقيا داخل التكتل، الذي تم قبولها فيه "لأسباب جيوسياسية".
 
من جانبها، أبرزت الباحثة بجامعة أوكسفورد البريطانية فولاشادي سولي، أن جنوب أفريقيا فقدت كثيرا من وزنها الاقتصادي بأفريقيا، فالبلد لم يعد يستطيع تقديم نفسه كمتحدث باسم أفريقيا، مذكرةً بالأداء الاقتصادي المخيب للآمال لجنوب أفريقيا على المستوى القاري.
 
موقف متعصب من زمن بائد
 
وتربط الباحثة تراجع الاستثمارات بجنوب أفريقيا ببروز وجهات جديدة أكثر أمانا وبنمو اقتصادي أكبر، على الساحة.
 
واعتبرت أن وجود جنوب أفريقيا في مجموعة بريكس "يخدم مصالح السياسة الخارجية للبلاد عوض خدمته لمصالح أفريقيا"، ويرى الكثيرون، ارتباطا بهذا الموضوع، أن الموقف المتعصب والإيديولوجي من زمن آخر في بريتوريا خدمة لقضايا خاسرة، يشكل عائقا آخر أمام قدرة بريكس بلوغ أهدافها الاقتصادية، وهو الموقف، الذي أكسب جنوب أفريقيا لقب "البطة العرجاء" في هذه المجموعة.
 
وأضافت الباحثة أنه على الرغم من ادعاء قادة جنوب أفريقيا أن هذا الحضور يمثل فرصة لتعزيز مصالح أفريقيا، إلا أن الحقيقة تتمثل في سعي بريتوريا إلى جذب الانتباه الدولي رغم وزنها الاقتصادي المتواضع، مسجلة بروز "شكوك مريبة" بأفريقيا حول المرامي الحقيقية لجنوب أفريقيا داخل "بريكس".