الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

أحمد حبشي يقرأ ديوان "لا حزن لي الآن" للشاعرة فاتحة مرشيد ويكتب: ناصية الأحزان

 
أحمد حبشي
 
 
على ناصية الحياة، تزهر أيام وتذبل أخرى، ما بين أعتى اللحظات وصفاء الرؤية، ينساب الهوان دافقا إلى أغوار النفس، ليطوّقها ما يشبه السؤال. "أكائن أنا أم غير كائن؟". وثبة خارج الذات لحصر المسافات الفاصلة بين الحال والمآل. وفي ما يشبه الحسرة، يصارع اليقين دورة البحث عن معنى الحياة.
 
هي وقائع لا تُحكى، يلوح صداها من وراء غمام أفكار وشبه أحلام، لا سلطة للحقيقة إلا ما تبتهله الروح من فسحة نسيم تعيد الحياة للحياة.
 
في تناوب إبداعي بين الرواية والشعر، طلعت علينا مؤخرا الروائية الشاعرة الدكتورة فاتحة مرشيد بإبداع اختارت له عنوان "لا حزن لي الآن"، وهو ديوان يسجل نقلة نوعية في المنجز الشعري لهذه المبدعة، التي تنحت اسمها في الشعر العربي، وخاصة بين قامات الشعر النسائي.
 
هو استقراء شعري يفتح نوافذ على ما يعتمر النفس ويسكن الوجدان من هول السؤال في رصد الحقيقة، وكشف المعنى في الفصل بين التمثل والزمن المعاش في لحظة رجوع إلى الذات كأنه رجوع صوفي في زمن الانطواء على الذوات وتعاقب الهزات.
 
أيتها النفس
المجبولة من طينة الحالمين
مثلهم
لك الخيبات مدخرة
كلما حفرت أعمق
تفتتت اليقينيات
كفاك طوافا حول الجنون
فلا من قداسة في الجحيم
 
خلاصة شديدة التركيز تحصر مجال التأمل في تقابل الواقع وما تضمره النفس كإدراك ملفوف بيقين مبتغى لمعنى الحياة. في التفاصيل، تنجلي المسافة بين الثابت المعتاد، والمتخيل المأمول أو المشتهى، استمرار السعي إلى الانعتاق من كمد المطبات، وصياغة المعنى في كل لحظة تلوح تباشير فورة للسمو بالنفس نحو مدارج البهجة. فالسعادة تنبع من داخل النفس لا من خارجها. تمتد التعابير المنتقاة في مدارج النفس لتجلي كيف يعيش المرء التفاعل والانفعال، كيف يكون العبور من السكينة إلى هوة الشك في مطلق اليقينيات، كيف يقابل اليقين شراسة السؤال في مجرى توالي اللحظات.
 
هي يقظة
ثم هروب
ثم عودة
مع كسر الجناح
هل ثمة زهو
في التسلق إلى الأسفل؟
 
هي صرخة في وجه فشل الوصول التام إلى لذة التحقق كلما لاح بريق صدته هواجس الإخفاق، كما يلاحق الغيم صفاء السماء أو يتعقب الليل تباشير الضياء. اجترار كمد يغرق النفس في ما لا ترتضيه، يصد نسائم تعيد للروح صفاء بهجتها وللحياة بريق توهجها. وجود يمتد في عراء الزمن ولا شيء يستحق الانتباه. وعلى رؤوس الحروف تعبر الأسرار مواسم الأحلام، لينجلي المعنى وتستعيد الذات حقها في أن تكون.
 
لا مكان للمكان
حين تستيقظ الحواس
ولا زمن للزمان
وحده النبض
على عذرية الوجود
يشهد
 
عاتية هي رياح الوحدة والانشطار، حين يصير الضحك كالبكاء، ويدوس الظل نوره، وتغدو العواطف كالأغصان يطالها الاندثار، فلا شيء يعلو على الأحلام لتستعيد الأشياء بريقها وتتفتق أسارير أذبلتها الأشجان.
 
هي لواعج تتقاسمها الشاعرة بشدو وترانيم إيقاع هادئ، يحيل على مكنونات الذات وما يراوضها من حين لآخر لاستقراء ما فعلته بها الأيام. حديثٌ بلا تفاصيل، مثقلٌ بإشارة الهوان ومحاولات الترقي بالفعل إلى ما بعد الوعي بغياب السكينة والاطمئنان. صراط غير مستقيم في ترويض الذات على التماهي بما ينجلي كواقع معاش، لا تخفي وقع نبضه ابتسامة عابرة، أو تسلل حذر إلى ما يشبه الحنين، إلى فسح منتقاة من زمن تطل ظلاله في انتظار وعود من سراب. إشراقات في المدى تفضي إلى أن هناك نبض حياة.
 
هذه لحظتك
تتسلل حثيثة
نحو الماضي
ويئن الغد
من تفشي الحنين
في انتظار
المأزق الأخير
 
لا يستعصي التعبير الباسق النافذ، المثقل ببهاء الصور التي تحيل إلى ما يمور في النفس وما تداريه من أشجان، على كاتبة أبدعت صورا شعرية استهدفت الكشف فيها عن دواخل النفس، وما تقابله هذه النفس من متضادات تفسد عليها العيش في رحاب سكينة مشتهاة. في الشعر، كما في الرواية، اختارت الدكتورة فاتحة رفع الستار عن معاناة الذات وما يجعلها وجها لوجه مع ما يعتري انسياب اللحظات ومباهج الحياة. الذات كحالة وجدانية أو سيرورة مجتمعية، تعتمر كل الرجاة وتطوق إلى صفاء مشتهى لاستحضار أزكى اللحظات. لا تفاصيل حول الدواعي وما يشكل خلفية تجلي حالة الوجد الملتبسة. تطفح التعابير بالإحالات ولا تنصرف لكشف الدواعي وكل ما يقود إلى الاطمئنان. شظايا الأحزان تتعدد مصادرها ولا لون للأشجان، كل يجد معانيها في مرافئ ما يعتمر في نفسه وما تخفيه من شروخ تسيخ وجعا وآلام.
 
في ديوان "لا حزن لي الآن"، اختارت الشاعرة سبعة عشر عنوانا خطها رسام/خطاط مبدع في أوضاع وأشكال تعبيرية تعكس عمق دلالتها وتساهم في امتداد المعنى إلى ما بعد الكلمات. هي عناوين منتقاة بعناية ومتميزة في صياغتها العامة تشكل نفَسا شعريا واحدا.
 
أيتها النفس اللامطمئنة
يا من يعشق في الأرواح شروخها
لا بهاء سوى العراء
قطرة سقطت كلما
كنت لها سريرا
بلا حضن يشفيك
التشظي قدر المرآة
ما أريح فترات العمى
اعبري الليل على رؤوس الحروف
كوني أناي أو لا تكوني
خذلتك العواطف
يئن الغد من تفشي الحنين
شغفي بالحياة كالنزيف لا ينضب
لا شيء غير الألم يرسم أبعاد الجسد
ويغيب السقوط
لا إشباع يرجى قبل العبور إلى الما وراء
كي يستمر الذهول
هكذا هي الحياة عودة دائرية إلى ما هجرناه
 
في لحظات انفرادك بهذا الديوان، تحتضنك لحظات شعرية ونفسية، وأحيانا روحية وارفة تجلي في استقرائها عمق التأمل في مسارات مثقلة بما تحبل به الحياة من شغف السؤال، مسارات يتم عبورها لأزمنة متعددة الأهواء، لا تستقيم وما تبتغيه الذات أو تطوق إليه، من صفاء وفيض في العطاء المشع بالاطمئنان. هكذا تسعى العبارة الشعرية لفتح نوافذ ليتسرب بلسم بارق يضفي على الحياة معنى آخر غير المعتاد، وكأننا أمام لحظة خاصة من لحظات الحياة غير مصرح بها، ولكنها كائنة، وحاضرة بين الحروف والكلمات...
 
يونيو 2023
 
غلاف ديوان "لا حزن لي الآن" للشاعرة فاتحة مرشيد
الصادر عن المركز الثقافي للكتاب بيروت/الدارالبيضاء 2023