الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم

ماكرون وشنقريحة.. بلد الأنوار يستقبل الجزار الذي رمى الجزائر في هاوية الدمار

 
محمد نجيب كومينة
 
 
فرنسا استقبلت شنقريحة، جزار من جزاري العشرية السوداء في الجزائر، حسب شهادات كثيرة موثّقة. المسؤول الأول عن تحوّل الجزائر إلى سجن كبير، منذ أن استولى على الحكم، استُقبل رسميا بفرنسا، الأربعاء 25 يناير 2023، دون أن تثير الدولة الفرنسية، التي تعرف مخابراتها الكثير عنه من دون شك، مسؤولياته في القتل واختطاف واعتقال مناضلين ونشطاء معارضين لنظام الجنرالات في الجزائر، بمن فيهم من تم استهدافهم في الأراضي الفرنسية بأمر منه، ودون أن تحرك آلتها الدعائية أو تستخدم أساليبها المعروفة.
 
ومن المؤكد أن شنقريحة لن يفلت الفرصة المتاحة له لكي يعود للمطالبة بتسليمه مناضلين ونشطاء وإعلاميين يقلقون راحته انطلاقا من بلد الثورة الديمقراطية وبلد روني كسان محرر ديباجة الإعلان الكوني لحقوق الإنسان، الذي تم تقديمه وتبنّيه في باريس ليلتحق بالوثائق المرجعية للأمم المتحدة ويدخل في إطار ما يعرف بالقانون الدولي العرفي.
 
الرئيس ماكرون، الذي أبان عن هوى جزائري يخفي ما يخفيه، هو الذي أوعز لقيادة الجيش الفرنسي باستقدام واستقبال شنقريحة، رغم معرفته ومعرفة مخابرات وجيش فرنسا بالسجل الأسود للجنرال، لأن ماكرون وغيره يعرفون جيدا أنه الحاكم الفعلي للجزائر، وأن تبون، كما أشار إلى ذلك ماكرون نفسه في وقت سابق بطريقته، ليس إلا صورة معلقة على الجدران، وآلة لطحن الكلام وترديد ما يرضي الجنرال ويخفف من مرضه النفسي العضال...
 
لذلك يسعون إلى كسب ود الرئيس الحقيقي بعدما كان ماكرون قد قبّل الرئيس الصوري القبلة الشهيرة الدالة على العشق والهيام. والرئيس الفعلي، كما يعرف ذلك ماكرون، له ارتباط قوي بروسيا، وإن كانت ذريته تقيم في فرنسا وأوروبا الغربية، ويدفعه ارتباطه ذاك إلى مساندة الاختراق الروسي المتزايد للمجال الحيوي لفرنسا في أفريقيا والمساعدة عليه، لأن له مصلحة شخصية في ذلك، ولأن رأس شنقريحة وقلبه مسكونان بالعداء للمغرب الذي يتجه نحو ترسيخ وضعه كشريك للتنمية والتبادل المتكافئ في عدد كبير من البلدان الأفريقية التي مالت دولها إلى دعم وحدته الترابية.
 
ماكرون، ومعه في ما يبدو من يشجعونه على رهانه، يعتقد أنه قادر على تحويل اتجاه نظام شنقريحة وإعادة ربط الجزائر بماما فرنسا، والبيّن أن الرجل، برهانه هذا، يبدو فاقدا لتلك المعرفة الأنثروبولوجية، التي كانت للرؤساء الفرنسيين السابقين، ويبدو كذلك أن من يشتغلون معه يفتقرون إليها، لأنها لو توفرت له لما استمر في مراكمة الأخطاء السياسية، التي تترتب عنها الخسارة تلو الأخرى في أفريقيا، بل وحتى خارجها.
 
من المثير للاستغراب فعلا أن تصل فرنسا إلى درجة غير مسبوقة من التشوش الاستراتيجي، وأن تتصرف بالطريقة التي تتصرف بها، فكيفما كان الحال ماتزال قوة عظمى، وإن بحجم أقل من الماضي، ولها القدرات التي تجعلها لا تسقط في الهواية لدى إجراء الحسابات الجيوسياسية والسياسية والديبلوماسية.
 
من المصادفات، إن كان الأمر مصادفة فعلا، أن الانقلابيين في بوركينا فاسو قد وجهوا دعوة لفرنسا لسحب جنودها من بلدهم، مكررين ما فعله انقلابيو مالي الذين يعتمدون على مرتزقة فاغنر المستقدمين من روسيا عبر الجزائر...