الغد 24 خبر الغد تقرأه اليوم
الفقيد محمد بورحيم بنسعيد الصغير إلى جانب محمد بنسعيد أيت إيدر

رحيل المناضل الوطني والديمقراطي محمد بورحيم المعروف باسم "بنسعيد الصغير"

 
علمت "الغد 24" أن المناضل الديمقراطي والمقاوم الوطني محمد بورحيم، المعروف باسم "بنسعيد الصغير"، غادر الحياة، مساء أمس السبت 12 يونيو 2021، بعد معاناة مع المرض...

كان كثير من المناضلين يعتقدون أن بنسعيد الصغير هو شقيق المناضل الفذ محمد بنسعيبد أيت إيدر، نظرا لتشابه في ملامح الرجلين، ولأنهما كانا يترافقان معا أغلب الأوقات، لكن الرابط بينهما لم تكن القرابة العائلية، وإنما رابطين اثنين: الأول أنهما يتحدران معا من منطقة واحدة، سوس ماسة، والثاني نضالهما المشترك في مواجهة الاحتلال الأجنبي، ثم بعد ذلك في مواجهة استبداد النظام المخزني، وخلال هذه المسيرة، ترافق البنسعيدان في مسيرة النضال السياسي، بدءا من انتمائهما معا إلى حزب الاستقلال، ثم مشاركتهما معا في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقادتهما مواقفهما الراديكالية إلى أن أصبحا معا مطاردين من قوات القمع، ولم يفلتا بجلديهما إلا بالتسلل إلى الجزائر، وبعدها إلى فرنسا، حيث استقرا في المنفى، وشاركا في تأسيس المنظمة الماركسية اللينينية "23 مارس"، عقب اندماج عدة جماعات، ضمنها جماعة بنبركة، التي كان البنسعيدان ينتميان إليها، وبقيا هناك إلى أن صدر العفو الملكي لسنة 1981 في حق العديد من المناضلين المنفيين... لم يكن بنسعيد الصغير شقيق بنسعيد الكبير، لكن كان بمثابة توأم روحه...

من الأحداث الطريفة، التي عاشها الفقيد محمد بورحيم في حياته، نجاته العجيبة من اعتقالات ما سمي بـ"مؤامرة 1963"، التي اتهم فيها المعتقلون الاتحاديون بالتآمر على حياة الملك الحسن الثاني ومحاولة قلب نظام الحكم...

هذه الواقعة، كان حكاها المناضل والإعلامي الكبير سيدي أحمد الحجامي، في مذكراته، إذ وصفه بأحد الناجين من كماشة 16 يوليوز 1963، التي ذهب ضحيتها جميع مسؤلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وأكثر من 5 آلاف من مناضليه. يقول الحجامي متحدثا عن بنسعيد الصغير: "لا بأس من الإشارة الى قصته التي حكاها لنا بنفسه ذات زيارة إلى الجزائر. كان متواجدا بمقر الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالدارالبيضاء، 14 زنقة علال بن عبد الله، عندما داهمه البوليس، فاعتُقل مع الجميع في كومسارية المعاريف. وأثناء الاستنطاق، أنكر جملة وتفصيلا كل علاقة له بالاتحاد وبالسياسة والسياسيين والعرب أجمعين، وأنه لا يتكلم ولا يفهم الا "الشلحة"، وقد وصل لتوه من "البْلادْ"، وأنه تاه عندما خرج يبحث عن عمه أو خاله في دروب الدارالبيضاء التي لا يعرفها. عيل صبر البوليس، وأمام كثرة البشر أُخلي سبيله. وعندما فطن البوليس إلى أنه هو بنسعيد الصغير، المبحوث عنه سابقا في قضية متابعة محمد بنسعيد، كان قد اجتاز الحدود إلى الجزائر ليلتحق بمعسكرات شيخ العرب لتدريب المجندين على حرب العصابات مع الكولونيل بنحمو المسيوي وإبراهيم التزنيتي وسعيد بونعيلات وعمر الفرشي ومصطفى العماري...
 
المناضل الاتحادي الكبير مصطفى المتوكل يحكي عن الفقيد محمد بورحيم، الذي وصفه بـ"الوطني والمقاوم والمناضل التقدمي الصلب"، وقال إنه: بعد نهاية الحرب العالمية الثانية انتقل إلى اكادير لمتابعة دراسته بالمدارس الحكومية، وتلقي بعض الدروس الإضافية بالمدرسة الحسنية الحرة، التي كان على رأس إدارتها المرحوم سيدي محمد الحبيب الفرقاني، وبعض الأساتذة التقدميين كالسيد محمد بن إسماعيل أرفاك الجلوي رحمهم الله، وفي سنة 1952 انتقل إلى الدار البيضاء بعد اعتقال هيئة التدريس وإدارتها بالمدرسة الحرة الحسنية، واشتغل هناك بشركة للزيوت بشارع الفداء، حيث وجد أستاذه محمد بن إسماعيل الذي نفته الحماية الفرنسية من أكادير يعمل بدوره بنفس الشركة، وبعد نفي محمد الخامس بدأ المرحوم يتصل بالوطنين الذين لم يعتقلوا كالسيد كريم محمد البعمراني وشنتر محمد لخصاصي وآخرين، وبعد استقلال المغرب رجع إلى أكادير، وكان من الشباب الأولين الذين التحقوا بصفوف جيش التحرير بنواحي أقا، وبدأ في تدريب المنخرطين الجدد، وكان على رأس هذه الفرقة المرحومان مبارك منار وإبراهيم المانوزي وضباط آخرون من نواحي الخميسات.
 
وبعد تكوين الفرقة الأولى من الجيش، شاركتُ في الهجوم الاول على المعسكر الفرنسي بمركالا وفم العشاير، وكان المرحوم مبارك منار هو الذي ترأس هده الفرقة التي نفذت الهجوم الذي شارك فيه المرحوم بورحيم، وكلف من طرف قيادة الجيش بمهمات خطيرة في الصحراء إلى أن انضم جيش التحرير للجيش الملكي، وكان الراحل من الذين لم ينخرطوا بالجيش الملكي...
 
وفي سنة 1960، كان من الشباب الأوائل الذين انضموا للجامعات المتحدة لحزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وشارك في الحملة الانتخابية الأولى سنة 1963، وألقي عليه القبض بتارودانت، وأمره أحد رجال السلطة بالبقاء عند المرحوم عمر المتوكل الساحلي حتى يتم استدعاؤه بعد يومين، لكنه فر في تلك الليلة، وسافر إلى الدارالبيضاء، وفي نفس السنة، ألقي عليه القبض في مركز الحزب بالدارالبيضاء، واحتُفظ به لدى الشرطة بالمعاريف. وبعد ذلك نقل إلى درب مولاي شريف، ثم إلى دار المقري في الرباط.
 
وكان الفقيد محمد بورحيم معروفا لدى السلطات باسم بنسعيد الصغير، وعند استنطاقه لدى الشرطة سُئل: هل أنت بنسعيد الصغير؟ فرد عليهم بالأمازيغية: أنا الأكبر لدى والدي. وأتوا برجل شرطة يتقن الأمازيغية ليسأله نفس السؤال ويرد عليه بنفس الجواب أنا الأكبر عند الأب، وتقرر لاحقا نقله إلى دار المقري، ومن حسن حظه جاء أحد ضباط قسم الشرطة إلى درب مولاي شريف ووجده داخل دهليز وسألهم عن اسمه، وقالوا له: بنسعيد الصغير. وأجابهم الضابط: لا ليس هو، أنا أعرف بنسعيد الصغير... ويقصد عمر بنسعيد، شقيق المجاهد بنسعيد محمد أيت إيدر، ليتم الاتصال بمدير قسم الجملة، وقال له: هل بنسعيد الصغير عندكم؟ أجابهم: نعم موجود في متجره، فأطلق سراح المرحوم محمد بورحيم واعتُقل عمر بنسعيد، ليبقى سجينا بدار المقري لمدة 5 أشهر...
 
وبقي المرحوم في الدارالبيضاء مدة، وانتقل إلى الجزائر ليجد هناك بعض أصدقائه من ضباط جيش التحرير، الذين جاؤوا إلى الجزائر كإبراهيم التيزنيتي وعلي المسفيوي وآخرين، وحاولت السلطات الجزائرية شراءهم لكنهم رفضوا ذلك، وأصدروا بلاغا يستنكرون طلب الحكومة الجزائرية، ومن بين الموقّعين المرحوم محمد بورحيم...
 
ثم انتقل بعد ذلك إلى فرنسا ليجد أصدقاء آخرين هناك كانوا أعضاء في جيش التحرير والمقاومة، كالمرحوم عبد الفتاح سباطة والعربي بن ناجم المعدري وحسن الساحلي وغيرهم، وبقي هناك 20 سنة... وبعد العفو الملكي رجع إلى المغرب، واستمر في نشاطه السياسي إلى جانب الوطني المجاهد محمد بنسعيد أيت إيدر وإخوانه ورفاقه في الحركة التقدمية اليسارية إلى أن انتقل إلى دار البقاء"... (انتهت شهادة المناضل مصطفى المتوكل).
 
عند صدور العفو الملكي، التحق المناضل محمد بورحيم بأرض الوطن، وساهم، إلى جانب باقي رفاقه، في تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي سنة 1983، وانتُخب عضوا في أول لجنة مركزية للمنظمة...

ظل السي محمد بورحيم طوال حياته، منذ التحق بحركة المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، إلى أن وافته المنية اليوم، من أوفى وأنزه المناضلين، كان دائما صادقا طيبا خدوما رحيما، ومحط احترام الجميع...

بهذه المناسبة الأليمة، تتقدم أسرة "الغد 24" بأحر التعازي والمواساة لعائلته الصغيرة ولعائلته الكبيرة، وفي مقدمتهم المناضل الكبير محمد بنسعيد أيت إيدر...
 
الفقيد محمد بورحيم وإلى جانبه ابنه عبد الرحيم بورحيم في الأيام الأخيرة